تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا} (9)

جاءتكم جنود : الأحزاب ، وهم قريش وبنو أسد وغطفان وبنو عامر وبنو سليم ومن اليهود بنو النضير وبنو قريظة .

جنود لم تروها : الملائكة .

نزلت هذه الآيات إلى آخر الآية السابعة والعشرين في تفصيل غزوة الأحزاب ، أو غزوة الخندق .

كانت غزوة الأحزاب في شوّال سنة خمسٍ من الهجرة ، وكانت من أخطرِ الحوادث التي واجهها رسول الله والمسلمون ، في تقرير مصير الدعوة الإسلامية . وكانت معركةً حاسمة ومحنة ابتُلي المسلمون فيها ابتلاءً لم يبتلوا بمثله .

أما سببها فهو أنه خرج نفرٌ من بني النضير ، ونفر من بني وائل من اليهود ، فقدِموا على قريش في مكة . وهناك دعوا قريشاً إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا لهم : إنا سنكون معكم حتى نستأصلَه هو ومن معه . فسرّ ذلك قريشاً ، ونشِطوا لما دعوهم إليه . ثم خرج وفد اليهود فجاؤوا غطفان ودعوهم إلى حرب المسلمين . وطافوا في القبائل ، حتى تمت لهم اتفاقية عسكرية ، كانت قريش وغطفان من أهم أعضائها . فحشدت قريش أربعة آلاف مقاتل ، وغطفان ستة آلاف . وأُسندت قيادةُ الجيش إلى أبي سفيان ، وتعهد اليهود أن يدفعوا إلى غطفان كل تمرِ نخلِ خيبرَ لسنة واحدة .

ولما سمع رسول الله وأصحابه عن تجمُّع القبائل مع قريش لقتال المسلمين وزحفهم إلى المدينة ، تهيأ المسلمون للحرب ، وقرروا التحصنّ في المدينة والدفاع عنها ، وكان جيش المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل .

وفي هذه الأثناء أشار سلْمان الفارسيّ ، رضي الله عنه ، بحفر الخندق حول المدينة ، وكانت هذه خطةً حربية متّبعة عند الفرس ، فأمر الرسول الكريم بحفر الخندق في السهل الواقع شماليّ غرب المدينة ، وهو الجانب المكشوف الذي يُخاف منه اقتحام العدو . وقد قسم رسول الله الخندقَ بين أصحابه لكل عشرةٍ أربعين ذراعا ، وبلغ طول الخندق خمسة آلاف ذراع ( نحو أربعة كيلومترات ) ، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة ، وعرضهُ من تسعة أذرع إلى ما فوقها .

وكان حده الشرقي طرفَ حَرّة واقِم ، وحده الغربي وادي بُطْحان حيث طرفُ الحرة الغربية ، حرة الوبرة .

وعمل السلمون في حفر الخندق بجدٍّ ونشاط ، وكان كلما عَرَضَ لهم مكان صعب فيه صخرة لجأوا إلى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فيأخذ المِعولَ بيده ويضربها حتى تتفتت ، حتى أكملوه وتحصنوا وراءه .

وكان بين المسلمين وبني قريظة من اليهود معاهدةٌ ، فحملهم حُييّ بن أخطَب ، سيدُ بني النضير ، على نقض تلك المعاهدة . فنقضوها ، وتأهبوا لقتال المسلمين مع المشركين من قريش والعرب . وعظُم عند ذلك البلاء ، واشتد الخوف ، وزاغت الأبصار ، وبلغت القلوبُ الحناجر .

وجاء أبو سفيان يقود ذلك الجيشَ الجرار وأحاطوا بالمدينة . وفوجئوا بالخندق ، فوقفوا من ورائه ، وقفز أحد أبطالهم وهو عمرو بن عبد ودٍّ العامري بحصانه فاجتاز الخندقَ وطلب المبارزة . فبرز له عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وقتله . ثم حصل بعضُ التراشق بالسهام ، ودام الحصار نحو شهر ، اشتد فيه البلاء . واستأذن بعض المنافقين في الذهاب إلى المدينة وقالوا : { إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } ، وكان الوقت شتاءً واشتد البرد وهبّت ريح عاتية فقلبت القدور وقوضت الخيام . فقام أبو سفيان وقال : يا معشر قريش ، إنكم واللهِ ما صبحتم بدار مقام ، وقد أخلفتنا بنو قريظة ، وبلغَنا عنهم الذي نَكره ، ولَقِينا من شدة الريح ما ترون ، فارتحِلوا فإني مرتحِل .

فانطلَقوا ، وأصبح الصباح فإذا القوم قد ارتحلوا . وانصرف المسلمون ووضعوا السلام وصدق الله العظيم : { يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } ، { وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى الله المؤمنين القتال وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً } .

ووضعت الحربُ أوزارها ، فلم ترجعْ قريش بعدَها إلى حرب المسلمين . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لن تَغزُوكم قريش بعد عامِكم هذا ، ولكنّكم تغزونهم » والقصةُ بطولِها في سيرة ابن هشام وفي صحيح مسلم ، وابن كثير .

واستُشهد من المسلمين يوم الخندق سبعة ، وقُتل من المشركين أربعة .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا} (9)

شرح الكلمات :

{ اذكروا نعمة الله عليكم } : أي اذكروا نعمة الله أي دفاعنا عنكم لتشكروا ذلك .

{ جنود } : أي جنود المشركين المتحزبين .

{ ريحا وجنودا لم تروها } : هي جنود الملائكة والريح ريح الصبا وهي التي تهب من شرق .

{ بما تعملون بصيرا } : أي بصيراً بأعمالكم من حفر الخندق والاستعدادات للمعركة .

المعنى :

قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود } الآيات هذه قصة غزوة الخندق أو الأحزاب قصها تبارك وتعالى على المؤمنين في معرض التذكير بنعمه تعالى عليهم ليشكروا بالانقياد والطاعة لله ورسوله وقبول كل ما يشرع لهم لإِكمالهم وإسعادهم في الحياتين فقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا } أي يا من آمنتم بالله ربا وإلها وبمحمد نبيا ورسولا وبالإِسلام دينا وشرعاً { اذكروا نعمة الله عليكم } المتمثلة في دفع أكبر خطر قد حاق بكم وهو اجتماع جيوش عدَّة على غزوكم في عقر داركم وهم جيوش قريش وأسد وغطفان وبنو قريظة من اليهود ألّبهم عليهم وحزّب أحزابهم حُيي بن أخطب النضري يريد الانتقام من الرسول والمؤمنين إذ أجلوهم عن المدينة وأخرجوهم منها فالتحقوا بيهود خيبر وتيما ، ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم أمر بحفر الخندق تحت سفح جبل سلع غربي المدينة ، وذلك بإِشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه إذ كانت له خبرة حربيّة علمها من ديار قومه فارس .

وتم حفر الخندق في خلال شهر من الزمن وكان صلى الله عليه وسلم يعطي لكل عشرة أنفار أربعين ذراعاً أي عشرين متراً ، وما إن فرغوا من حفره حتى نزلت جيوش المشركين وكانوا قرابة اثني عشر ألفاً ولما رأوا الرسول والمسلمين وراء الخندق تحت جبل سلع قالوا هذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها فتناوشوا بالنبال ورمى عمرو بن عبد ود القرشي بفرسه في الخندق فقتله علي رضي الله عنه ودام الحصار والمناوشة وكانت الأيام والليالي باردة والمجاعة ضاربة أطنابها قرابة الشهر .

وتفصيل الأحداث للقصة فيما ذكره تعالى فيما يلي :

فقوله تعالى { إذ جاءتكم جنودٌ } هي جنود المشركين من قريش ومن بني أسد وغطفان { فأرسلنا عليهم ريحا وجنوداً لم تروها } لما جاءتكم جنود المشركين وحاصروكم في سفح سلع أرسلنا عليهم ريحاً وهي ريح الصبا المباركة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وهي الريح الغربيّة . وفعلت بهم الصبا الأفاعيل حيث لم تبق لهم ناراً إلا أطفأتها ولا قدراً على الأثافي إلا أراقته ، ولا خيمة ولا قسطاطاً إلا أسقطته وأزالته حتى اضطروا إلى الرحيل وقوله { وجنوداً لم تروها } وهم الملائكة فأصابتهم بالفزع والرعب الأمر الذي أفقدهم كل رشدهم وصوابهم ورجعوا يجرون أذيال الخيبة والحمد لله وقوله تعالى { وكان الله بما تعملون بصيراً } أي بكل أعمالكم من حفر الخندق والمشادات والمناورات وما قاله وعمله المنافقون لم يغب عليه تعالى شيء وسيجزيكم به المحسن بالإِحسان والمسيء بالإِساءة .

الهداية :

من الهداية :

- مشروعية التذكير بالنعم ليشكرها المذكَّرون بها فتزداد طاعتهم لله ورسوله .

- عرض غزوة الأحزاب أو الخندق عرضا صادقاً لا أمثل منه في عرض الأحداث للعبرة .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا} (9)

وبعد هذا البيان الحكيم لبعض الأحكام الشرعية . انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن غزوة الأحزاب ، وعن فضل الله - تعالى - على المؤمنين فيها ، فقال - سبحانه - : { ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا . . . عَهْدُ الله مَسْئُولاً } .

وغزوة الأحزاب ، من الغزوات الشهيرة فى تاريخ الدعوة الإِسلامية ، وكانت - على الراجح - فى شهر شوال من السنة الخامسة بعد الهجرة .

وملخصها - كما ذكر الإِمام ابن كثير - أن نفرا من اليهود - على رأسهم حيى بن أخطب - خرجوا إلى مكة ، واجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب المسلمين ، فأجابوهم إلى ذلك .

ثم خرجوا إلى قبيلة غطفان فدعوهم لحرب المسلمين ، فاستجابوا لهم - ايضا - .

وخرجت قريش فى أحابيشها ومن تابعها ، والجميع فى جيش قريب من عشرة آلاف رجل .

وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدمهم ، أمر بحفر خندق حول المدينة .

ووصلت جيوش الأحزاب إلى مشارف المدينة ، فوجدوا الخندق قد حفر ، وأنه يحول بينهم وبين اقتحامها . كما أن المسلمين كانوا لهم بالمرصاد .

وخلال الفترة العصبية ، نقض يهود بنى قريظة عهودهم مع المسلمين ، وانضموا إلى جيوش الأحزاب ، فزاد الخطب على المسلمين .

ومكث الأعداء محاصرين للمدينة قريبا من شهر . ثم جاء نصر الله - تعالى - ، بأن أرسل على جيوش الأحزاب ريحا شديدة ، وجنودا من عنده ، فتصدعت جبهات الأحزاب ، وانكفأت خيامهم ، وملأ الرعب قلوبهم ، { وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى الله المؤمنين القتال } وقد ابتدأ الله - تعالى - الحديث عن هذه الغزوة ، بنداء وجهه إلى المؤمنين ، ذكرهم فيه بفضله عليهم ، وبرحمته بهم فقال : { ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } .

والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإِيمان ، { اذكروا } على سبيل الشكر والاعتبار { نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } ورحمته بكم .

{ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ } كثيرة ، هى جنود جيوش الأحزاب { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً } شديدة زلزلتهم ، وجعلتهم يرحلون عنكم بخوف وفزع .

كما أرسلنا عليهم { وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } وهم الملائكة ، الذين ألقوا الرعب فى قلوب أعدائكم .

قالوا : روى أن الله - تعالى - بعث عليهم ريحا باردة فى ليلة باردة ، فألقت التراب فى وجوههم ، وأمر الملائكة فقلعت أوتاد خيامهم ، وأطفأت نيرانهم وقذفت فى قلوبهم الرعب . . فقال كل سيد قوم لقومه : يا بنى فلان : النجاء النجاء .

وقوله - سبحانه - : { وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } تذييل قصد به بيان مظهر آخر من مظاهر فضله - تعالى - عليهم .

أى : جاءتكم تلك الجنود الكثيرة . فأرسلنا عليهم ريحا شديدة ، وأرسنلا عليهم من عندنا جنودا لم تروها ، وكنا فوق كل ذلك مطلعين على أعمالكم من حفر الخندق وغيره وسامعين لدعائكم ، وقد أجبناه لكم ، حيث رددنا أعداءكم عنكم دون أن ينالوا خيرا .