تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ} (35)

لقد تكرر هذا القول من المشركين ، وهم يريدون بقولهم هذا أن الله سبحانه أراد أن يشرِكوا ورضَي بذلك . وهذه مغالطةٌ وحجّة باطلة يستندون عليها من كفرهم .

وقد رد الله عليهم شُبْهَتَهم هذه بقوله :

{ كذلك فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } ومثل هذا الفعل الشنيع فعلَ مَن قبلَهم من الأمم . ثم بيّن خطأهم فيما يقولون ويفعلون فقال :

{ فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين ؟ } .

هذه هي مهمة الرسل . . . إبلاغُ الناس رسالاتِ ربهم وإنذارُهم ، وليس عليهم هداهم .

فالله لا يريد لعباده الشِرك ، ولا يرضى لهم أن يحرِّموا ما أحلَّه لهم من الطيبات ، وإرادتُه ظاهرة منصوص عليها في شرائعه ، وإنما شاءت إرادة الله أن يخلقَ البشرَ باستعداد للهدى والضلال ، وأن يدعَ مشيئتهم حرةً في اختيار أي الطريقين . لذا منحهم العقل يرجّحون به أحدَ الاتجاهين ، وبَعَثَ الرسُلَ منذِرين ومبشّرين .

ثم بين الله تعالى أن بعثة الرسل أمرٌ جرت به السنّة الإلهية في الأمم كلها ، وجُعلت سبباً لهُدى من أراد اللهُ هدايته ، وزيادةِ ضلالِ من أراد ضلاله ، كالغذاء الصالح ينفع الصحيح السليم ، ويضر بعض المرضى .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ} (35)

{ وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء } قالوا ذلك على وجه المجادلة والمخاصمة والاحتجاج على صحة فعلهم أي : أن فعلنا هو بمشيئة الله فهو صواب ، ولو شاء الله أن لا نفعله ما فعلناه ، والرد عليهم بأن الله نهى عن الشرك ولكنه قضى على من يشاء من عباده ، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك في الآخرة على وجه التمني فإن { لو } تكون للتمني والمعنى على هذا : أنهم لما رأوا العذاب تمنوا أن يكونوا لم يعبدوا غيره ولم يحرموا ما أحل الله من البحيرة وغيرها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ} (35)

ولما تم ما هو عجب من مقالهم ومآلهم ، في سوء أحوالهم ، وختم بتهديدهم ، عطف على قوله { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم } موجباً آخر للتهديد ، معجباً من حالهم فيه ، فقال : { وقال الذين أشركوا } أي الراسخ منهم في هذا الوصف والتابع له ، على سبيل الاعتراض على من يدعوهم إلى التوحيد من نبي وغيره ، محتجين بالقدر عناداً منهم ، ومعترضين على من لا يسأل عما يفعل بأنه - لقدرته على كل شيء - غير محتاج إلى بعث الرسل ، فإرسالهم عبث - تعالى الله الحكيم عن قولهم ، فهو قول من يطلب العلة في أحكامه تعالى وفي أفعاله ، وهو قول باطل ، لأنه سبحانه الفعال لما يريد سواء أطلع العباد على حكمته أم لا : { لو شاء الله } أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ، عدم عبادتنا لغيره { ما عبدنا } .

ولما كانت الرتب كلها متقاصرة عن رتبته وكانت متفاوته ، وكان ما يعبدونه من الأصنام في أدناها رتبة ، أدخلوا الجار فقالوا : { من دونه } وأعرقوا في النفي فقالوا : { من شيء } أي من الأشياء { نحن ولا ءاباؤنا } من قبلنا‍ ! ولما ذكروا الأصل أتبعوه الفرع فقالوا : { ولا حرمنا } أي على أنفسنا { من دونه } أي دون أمره { من شيء } لأن ما يشاء لا يتخلف على زعمكم ، لكنه لم يشأ العدم ، فقد شاء وجود ما نحن عليه ، فنحن نتبع ما شاءه لا نتغير عنه ، لأنه لا يشاء إلا ما هو حق ، وضل عن الأشقياء - بكلمتهم هذه الحق التي أرادوا بها الباطل - أن مدار السعادة والشقاوة إنما هو موافقة الأمر لا موافقة الإرادة ، فما كان من الفعل والكف على وفق الأمر سعد فاعله ، وما خالفه قامت به الحجة على فاعله على ما جرت به عوائد الناس فشقي .

فلما انتهك ستر هذه المقالة المموهة ، وكان كأنه قيل استبعاداً لها : هل قالها غيرهم ؟ فقيل : نعم ! { كذلك } أي مثل هذا الفعل البعيد من السداد ، والقول الخارج عن الهداية والرشاد ، وهو الاعتراض على ربهم في إرسال الرسل ، مانعين لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة ، فإنه تعالى يريد إظهار ثمرة الملك بالحكم على ما يتعارفه العباد من إقامة الحجة بالأفعال الاختيارية وإن كانت بقضائه ، لأن ذلك مستور عن العباد { فعل } أي كذب بدليل الأنعام { الذين } ودل على عدم الاستغراق للزمان بقوله : { من قبلهم } وكان تكذيباً ، لأن قولهم اقتضى أن يكون ما هم عليه مما يرضاه الله ، والرسل يقولون : لا يرضاه ، ولا يرضى إلا ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه أو غير معاقب ، فكان ذلك سبباً للإنكار عليهم بقوله : { فهل } أي فما { على الرسل } أي الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم ، وهم الذين أرسلهم الله لدعاء العباد خلفاً عن سلف ؛ ولما كان الاستفهام بمعنى النفي - كما تقدم - إلا أنه صور بصورته ليكون كدعوى الشيء بدليلها فقال : { إلا البلاغ المبين * } وقد بلغوكم وأوضحوا لكم ، فصار وبال العصيان خاصاً بكم .