أذلّة على المؤمنين : متواضعون رحماء للمؤمنين .
أعزّة على الكافرين : أشداء على الكافرين . كما قال تعالى في سورة الفتح { أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } .
بعد أن ذكر سبحانه أن من يتولّى الكافرين من دون الله يُعَدّ منهم ، بيّن هنا حقيقةً دعّمها بخبر من الغيب أظهرَهُ الزمن يومذاك ، وهي : أن بعض الذين آمنوا نفاقاً سيرتدّون عن الإسلام جهراً .
يا أيها الذين آمنوا : إن من يرجع منكم عن الإيمان إلى الكفر ، لن يضر الله قليلاً ولا كثيراً . فالله سوف يأتي بَدَلَهم بقومٍ خير منهم ، يحبّهم الله لأنهم يحبّونه ، فيوفقهم للهدى والطاعة .
وسيكون هؤلاء ذوي تواضعٍ ورحمة بإخوانهم المؤمنين ، وفيهم شدةٌ على أعدائهم الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ، ولا يخشون في الله لومة لائم . وذلك فضلُ الله يمنحه لمن يشاء ممن يستحقونه ، والله كثير الفضل ، عليم بمن هو أهل له .
في هذه الآية إخبار من الغيب ، فإنه لما قُبض الرسول صلّى الله عليه وسلم ارتدّ كثير من العرب . وكان المرتدّون فريقين : فريقاً ارتدّ عن الإسلام ، وفريقاً منع الزكاة . وكان قد ارتد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ، بنو مدلج ورئيسُهم ذو الخمار ، وهو الأَسود العنسي . وكان كاهناً تنبّأ باليمَن ، فأهلكه الله على يد فيروز الديلمي ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله فسُرّ به ، وقُبض عليه السلام من الغد .
وارتدّ مُسَيلمة ومعه بنو حنيفة ، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم :
«من مسليمة رسولِ الله إلى محمد رسولِ اللهِ ، سلام عليك : أما بعدُ فإني قد أُشْرِكتُ في الأمر معك ، وإنّ لنا نصفَ الأرض ولقُريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون » .
فكتب إليه النبي : «بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب . السلامُ على من اتبع الهدى . أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » .
وحاربتْه جيوش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد ، وقتله وحشيُّ قاتلُ حمزة ، وكان يقول : «قتلتُ في جاهليتي خير الناس ، وفي إسلامي شرَّ الناس » .
وتنبأ طُليحة بن خويلد الأسدي ، وتبعه جمع غفير ، فهزمه خالد بن الوليد . وهرب طليحة إلى الشام ثم أسلم فحسُن إسلامه .
وتنبأت سَجاحُ بِنت المنذِر ، الكاهنة ، وزوَّجت نفسها من مسيلمة ، ولها قَصَص طويل في التاريخ ، ثم أسلمت بعد ذلك وحسُن إسلامها .
وارتدّت سبع قبائل في عهد أبي بكر منهم : فَزارة ، وغطفان ، وبنو سليم ، وبنو يربوع ، وبعض بن تميم ، وكِندة ، وبنو بكر . وهؤلاء كلهم حاربهم أبو بكر يُناصره المهاجرون والأنصار ، وهزمهم جميعاً ، وهكذا ثبّت أبو بكر رضي الله عنه الإسلام بعزيمة صادقة ، وإيمان قويّ راسخ . وقد وصف الله هؤلاء المؤمنين بستّ صفات : بأن الله يحبّهم وهم يحبّونه . وأنهم أشدّاء على الكفار رحماء بينهم . وأنهم يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم . وأنهم صادقون لا يخافون في الله لومة لائم .
قرأ نافع وابن عامر وأهل المدينة «من يرتدد » بدالين ، والباقون «من يرتد » بإدغام الدالين .
{ من يرتد منكم عن دينه } خطاب على وجه التحذير والوعيد ، وفيه إعلام بارتداد بعض المسلمين فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه ، ثم وقع فارتد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب ، وبنو مدلج قوم الأسود العنسي الذي ادعى النبوة ، وقتل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة ثم أسلم وجاهد ، ثم كثر المرتدون ، وفشا أمرهم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى كفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكانت القبائل التي ارتدت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع قبائل بنو فزارة وغطفان وبنو سليم وبنو يربوع وكندة ، وبنو بكر بن وائل ، وبعض بني تميم ، ثم ارتدت غسان في زمان عمر بن الخطاب ، وهم جبلة بن الأيهم الذي تنصر من أجل اللطمة .
{ فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه } روي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها ، وقال : هم قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري ، والإشارة بذلك والله أعلم إلى أهل اليمن ، لأن الأشعريين من أهل اليمن ، وقيل : المراد أبي بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ويقوي ذلك ما ظهر من أبي بكر الصديق رضي الله عنه من الجد في قتالهم ، والعزم عليه حين خالفه في ذلك بعض الناس ، فاشتد عزمه حتى وافقوه وأجمعوا عليه فنصرهم الله على أهل الردة ، ويقوي ذلك أيضا أن الصفات التي وصف بها هؤلاء القوم هي أوصاف أبي بكر ، ألا ترى قوله :{ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } وكان أبو بكر ضعيفا في نفسه قويا في الله ، وكذلك قوله :{ ولا يخافون لومة لائم } إشارة إلى من خالف أبا بكر ولامه في قتال أهل الردة فلم يرجع عن عزمه .
{ أذلة على المؤمنين } كقوله :{ أشداء على الكفار رحماء بينهم }[ الفتح :29 ] ، وإنما تعدى أذلة بعلى ، لأنه تضمن معنى العطف والحنو ، فإن قيل : أين الراجع من الجزاء إلى الشرط ؟ فالجواب : أنه محذوف تقديره من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم يقاتلونهم .
ولما نهى{[26442]} عن موالاتهم وأخبر أن فاعلها منهم . نفى المجاز مصرحاً بالمقصود فقال مظهراً لنتيجة ما سبق : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ! من يوالهم{[26443]} منكم - هكذا كان الأصل ، ولكنه صرح{[26444]} بأن ذلك{[26445]} ترك الدين فقال : { من يرتد } ولو على وجه خفي - بما أشار إليه الإدغام في قراءة من سوى المدنيين وابن عامر { منكم عن دينه } أي{[26446]} الذي معناه موالاة أولياء الله ومعاداة{[26447]} أعداء الله ، فيوالون أعداءه ويتركون أولياءه ، فيبغضهم الله ويبغضونه ، ويكونون أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين ، فالله غني عنهم { فسوف يأتي الله } اي الذي له الغنى المطلق والعظمة البالغة مكانهم وإن طال المدى بوعد صادق لا خلف فيه { بقوم{[26448]} } أي{[26449]} يكون حالهم ضد حالهم ، يثبتون على دينهم{[26450]} ، وهم أبو بكر والتابعون له بإحسان - رضي الله عنهم .
{[26451]} ولما كانت محبته أصل كل سعادة قدمها فقال : { يحبهم } فيثبتهم عليه ويثيبهم بكرمه أحسن الثواب { ويحبونه } فيثبتون عليه ، ثم وصفهم بما يبين ذلك فقال : { أذلة } وهو جمع ذليل{[26452]} ؛ ولما كان ذلهم هذا إنما هو الرفق ولين الجانب لا الهوان ، كان في الحقيقة عزاً ، فأشار{[26453]} إليه بحرف الاستعلاء مضمناً له معنى الشفقة ، فقال{[26454]} مبيناً أن تواضعهم عن علو منصب وشرف{[26455]} : { على{[26456]} المؤمنين } أي لعلمهم أن الله يحبهم { أعزة على الكافرين } أي يظهرون{[26457]} الغلظة والشدة عليهم لعلمهم أن الله خاذلهم ومهلكهم وإن اشتد أمرهم وظهر علوهم وقهرهم ، فالآية من الاحتباك : حذف أولاً البغض وما يثمره لدلالة الحب عليه ، وحذف ثانياً الثبات لدلالة الردة عليه ؛ ثم علل ذلك بقوله : { يجاهدون } أي يوقعون الجهاد على الاستمرار لمن يستحقه من غير ملال ولا تكلف كالمنافقين ، وحذف المفعول تعميماً ودل عليه مؤذناً بأن الطاعة محيطة بهم فقال : { في سبيل الله } أي طريق الملك الأعظم الواسع المستقيم الواضح ، لا لشيء غير ذلك كالمنافقين .
ولما كان المنافقون يخرجون في الجهاد{[26458]} ، فصلهم منهم بقوله : { ولا } أي والحال أنهم لا { يخافون لومة } أي واحدة من لوم { لائم } وإن كانت عظيمة وكان هو عظيماً ، فبسبب{[26459]} ذلك هم صلاب في دينهم ، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين{[26460]} - أمر بالمعروف أو نهي عن منكر - كانوا كالمسامير{[26461]} المحماة ، لا يروِّعهم قول قائل ولا اعتراض معترض ، ويفعلون في الجهاد في{[26462]} ذلك جميع{[26463]} ما تصل{[26464]} قدرتهم وتبلغ قوتهم إليه من إنكال{[26465]} الأعداء وإهانتهم ومناصرة الأولياء ومعاضدتهم ، وليسوا كالمنافقين يخافون لومة{[26466]} أوليائهم من اليهود فلا يفعلون وإن كانوا مع{[26467]} المؤمنين شيئاً ينكيهم .
ولما كانت هذه الأوصاف من العلو في رتب المدح بمكان لا يلحق ، قال مشيراً إليها بأداة البعد واسم المذكر : { ذلك } أي الذي تقدم من أوصافهم العالية { فضل الله } أي الحاوي لكل كمال { يؤتيه } أي الله لأنه خالق لجميع أفعال العباد { من يشاء } أي فليبذل الإنسان كل الجهد في طاعته لينظر إليه هذا النظر{[26468]} برحمته { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { واسع } أي محيط بجميع أوصاف الكمال ، فهو يعطي من سعة ليس لها حد ولا يلحقها أصلاً نقص{[26469]} { عليم * } أي بالغ العلم بمن يستحق الخير ومن يستوجب غيره ، وبكل ما يمكن علمه{[26470]} .