تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا} (157)

شُبّه لهم : وقع لهم الشبه بين عيسى والمقتول الذي صلبوه .

ولقد غضب الله عليهم جزاء كفرهم بحكم قولهم إنّا قتلنا عيسى بن مريم رسول الله مع أن الحق أنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه وإنما شُبّه لهم ذلك . والواقع أنهم قتلوا شخصاً يشبهه . أما الذين اختلفوا في شأنه فهم في شك من أمره ، إذ ليس لهم به علم قطعي ، وما يتبعون إلا مجرد الظن .

وروايات الأناجيل الموجودة الآن حول هذا الموضوع متناقضة ، فبعضها يرى أن يهوذا الاسخريوطي أحد تلاميذ المسيح هو الذي سلّمه للجند وأخذ ثلاثين قطعة من الفضة اشترى بها حقلا . أعمال : 18 و19 .

وفي إنجيل مَتَّى أن يهوذا ندم وردّ الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلا : قد أخطأت إذ سلّمت دماً بريئا . . . . متّى 37 -7 .

وفي إنجيل متّى أيضاً أن يهوذا ندم ومضى وخنق نفسه . 27 : 5 .

أما كتاب أعمال الرسل فيذكر أن يهوذا لم يخنق نفسه بل ( سقط على وجهه فانشقّ من الوسط . . . . . . ) : الخ ذلك .

والخلاصة : أن روايات المسلمين جميعها متفقة على أن عيسى نجا ممن أرادوا قتله فقتلوا آخر ظناً منهم أنه المسيح .

{ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً . . . . }

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا} (157)

{ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم } عدد الله في جملة قبائحهم قولهم : { إنا قتلنا المسيح } لأنهم قالوها افتخارا وجرأة مع أنهم كذبوا في ذلك ، ولزمهم الذنب ، وهم لم يقتلوه لأنهم صلبوا الشخص الذي ألقى عليه شبهه ، وهم يعتقدون أنه عيسى ، وروي أن عيسى قال للحواريين : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل ويكون رفيقي في الجنة ، فقال أحدهم : أنا فألقى عليه شبه عيسى فقتل على أنه عيسى ، وقيل : بل دل على عيسى يهودي ، فألقى الله شبه عيسى على اليهودي ، فقتل اليهودي ورفع عيسى إلى السماء حيا ، حتى ينزل إلى الأرض فيقتل الدجال .

{ رسول الله } إن قيل : كيف قالوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يكفرون به ويسبونه ؟ فالجواب من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنهم قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء .

والثاني : أنهم قالوه على حسب اعتقاد المسلمين فيه كأنهم قالوا رسول الله عندكم أو بزعمكم .

والثالث : أنه من قول الله لا من قولهم فيوقف قبله ، وفائدة تعظيم ذنبهم وتقبيح قولهم إنا قتلناه .

{ وما قتلوه وما صلبوه } رد عليهم وتكذيب لهم وللنصارى أيضا في قولهم إنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ذلك والعجب كل العجب من تناقضهم في قوله إنه إله أو ابن إله ثم يقولون : إنه صلب .

{ ولكن شبه لهم } فيه تأويلان :

أحدهما : ما ذكرناه من إلقاء شبهه على الحواري أو على اليهودي .

والآخر : أن معناه : شبه لهم الأمر أي خلط لهم القوم الذين حاولوا قتله بأنهم قتلوا رجلا آخر وصلبوه ومنعوا الناس أن يقربوا منه ، حتى تغير بحيث لا يعرف ، وقالوا للناس هذا عيسى ، ولم يكن عيسى ، فاعتقد الناس صدقهم وكانوا متعمدين للكذب .

{ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } روى أنه لما رفع عيسى وألقي شبهه على غيره فقتلوه ، قالوا : إن كان هذا المقتول عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ، فاختلفوا ، فقال بعضهم : هو هو ، وقال بعضهم : ليس هو ، فأجمعوا أن شخصا قتل ، واختلفوا من كان .

{ إلا إتباع الظن } استثناء منقطع لأن العلم تحقيق والظن تردد ، وقال ابن عطية : هو متصل إذ الظن والعلم يجمعهما جنس المعتقدات ، فإن قيل : كيف وصفهم بالشك وهو تردد بين احتمالين على السواء ثم وصفهم بالظن وهو ترجيح أحد الاحتمالين ؟ فالجواب أنهم كانوا على الشك ، ثم لاحت لهم أمارات فظنوا ، قاله الزمخشري ، وقد يقال : الظن بمعنى الشك ، وبمعنى الوهم الذي هو أضعف من الشك .

{ وما قتلوه يقينا } أي : ما قتلوه يقينا فإعراب يقينا على هذا صفة لمصدر محذوف ، وقيل : هي مصدر في موضع الحال : أي ما قتلوه متيقنين ، وقيل : هو تأكيد للنفي الذي في قوله :{ ما قتلوه } أي : يتيقن نفي قتله ، وهو على هذا منصوب على المصدرية .