تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

فإن ظهر فيما بعد أن الشاهدين قد كذبا في شهادتهما أو أخفيا شيئا ، فإن اثنين من أقرب المستحقين لتركة الميت ، هما أحقُّ أن يقفا مكان الشاهدَين بعد الصلاة ، ليحلفا بالله أن الشاهَدين قد كذبا ، وأن ذينك الرجلين لم يتّهما الشاهدين زورا وبهتاناً ، ولو فعلا فإنهما يكونان من الظالمين المستحقين عقاب من يظلم غيره .

روى القرطبي في تفسيره قال : كان تميم الداري وعديّ بن بَداء رجُلين نصرانيّين يتّجران إلى مكة في الجاهلية ، فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم حوّلا تجارتهما إلى المدينة . فخرج بُدليل مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة ، فخرجوا تجاراً إلى الشام . حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بُديل ، فكتب وصية بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما . فلما مات فتحا متاعه ، فأخذا منه جاماً من فضة عليه خيوط من ذهب ، وقدِما على أهله فدفعا إليهم متاعه . ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده . وفقدوا الجام فسألوهما عنه فقالوا : هذا الذي قبضنا منه ، فقالوا : هذا كتابه بيده . قالوا : ما كتمنا له شيئا . فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية . فأمر رسول الله أن يستحلفوهما في دُبُر صلاة العصر . فحلفا ، ثم بعد ذلك ظهر الجام معهما ، فقال أهل بُديل : هذا من متاعه ، قالا : نعم ، لكنّنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفْنا فكرهْنا أن نكذّب نفوسنا . فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية { فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ إِثْماً } فأمر النبي رجلَين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيّبا ويستحقانه .

قال تميم الداري : فلما أسملتُ ، تأثّمت من ذلك ، فأتيت أهل بُديل وأخبرتهم الخبر ، وأديتُ إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها . فأتوا به إلى رسول الله ، فسألهم البيّنة ، فلم يجدوا . فأمرَهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه . فحلَف ، فأنزل الله عز وجلّ { يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ . . . } الآيات فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر منهم فحلّفا ، فنُزعت خمسمائةُ درهمٍ من يد عدي بن بداء .

وكان تميم يقول : صدق الله ورسوله ، أنا أخذت الإناء . ثم قال : يا رسول الله ، إن الله يُظهرك على أهل الأرض كلِّها فهَبْ لي قريةَ عَيْنون من بيت لحم . وهي القرية التي وُلد فيها عيسى ، فكتب له بها كتاباً ، فلمّا قدِم عمرَ الشامَ ِأتاه تميم بكتاب رسول الله . فقال عمر : أنا حاضِرٌ ذلك ، فدفعها إليه .

قراءات :

قرأ حفص والكسائي «استحق » بفتح التاء الحاء ، الباقون «استحق » بضم التاء وكسر الحاء ، وقرأ حمزة وأبو بكر «الأوّلين » بفتح الواو المشدَّدة وفتح النون ، والباقون «الأوليان » بالتثنية .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (107)

{ فإن عثر على أنهما استحقا إثما } أي : إن اطلع بعد ذلك على أنهما فعلا ما أوجب إثما ، والإثم الكذب والخيانة واستحقاقه الأهلية للوصف به .

{ فآخران يقومان مقامهما } أي : اثنان من أولياء الميت ، يقومان مقام الشاهدين في اليمين .

{ من الذين استحق عليهم } أي : من الذين استحق عليهم الإثم أو المال ، ومعناه من الذين جنا عليهم وهم أولياء الميت .

{ الأوليان } تثنية أولى بمعنى أحق : أي الأحقان بالشهادة لمعرفتهما ، والأحقان بالمال : لقرابتهما ، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره هما الأوليان ، أو مبتدأ مؤخر تقديره الأوليان آخران يقومان ، أو بدل من الضمير في يقومان ، ومنع الفارسي أن يسند استحق إلى الأوليان ، وأجازه ابن عطية ، وأما على قراءة استحق بفتح التاء والحاء على البناء للفاعل ، ف{ الأوليان } فاعل ل{ استحق } ، ومعنى استحق على هذا أخذ المال وجعل يده عليه والأوليان على هذا هما الشاهدان اللذان ظهرت خيانتهما : أي الأوليان بالتحليف والتعنيف والفضيحة ، وقرئ الأولين جمع أول ، وهو مخفوض على الصفة للذين استحق عليهم ، أو منصوبا بإضمار فعل ، ووصفهم بالأولية لتقدمهم على الأجانب في استحقاق المال وفي صدق الشهادة .

{ فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } أي : يحلف هذان الآخران أن شهادتهما أحق : أي أصح من شهادة الشاهدين الذين ظهرت خيانتهما .

{ إنا إذا لمن الظالمين } أي : إن اعتدينا ، فإنا من الظالمين وذلك على وجه التبرئة ومثل قول الأولين إنا إذا لمن الآثمين .