إذا كان هناك اعتراضٌ على بشريّةِ الرسول الكريم ، وأنه تَزوَّج النساءَ ، وله أولادٌ وذرية ، فقد كان الرسُل الذين أرسلناهم من قبلِه بشراً وكانوا يتزوَّجون ولهم نساءٌ وذرية .
إذا كان يعترضُ بعضُهم من المتعنّتِين ويطلب من الرسول أن يأتيَ بخارقةٍ ماديّة ، فذلك ليسَ من شأنِه ، إنّما هو من شأنِ الله ، وهو الذي يقدّر ذلك ويدبّره بحكمتِه ومشيئته ، ولكل أمرٍ كتبه اللهُ أجلٌ معين ووقت معلوم .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولقد أرسلنا رسلا من قبلك}، يعني الأنبياء قبلك، {وجعلنا لهم أزواجا وذرية}، يعني النساء والأولاد، {وما كان لرسول أن يأتي بآية}، وذلك أن كفار مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية، فقال الله تعالى: {وما كان لرسول أن يأتي بآية}، إلى قومه، {إلا بإذن الله}، يعني إلا بأمر الله، {لكل أجل كتاب}، يقول: لا ينزل من السماء كتاب إلا بأجل...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: (ولقد أرسلنا)، يا محمد (رسلا من قبلك) إلى أمم قَدْ خَلَتْ من قبلِ أمتك، فجعلناهم بَشرًا مثلَك، لهم أزواج ينكحون، وذريةٌ أنْسَلوهم، ولم نجعلهم ملائكةً لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فنجعلَ الرسولَ إلى قومك من الملائكة مثلهم، ولكن أرسلنا إليهم بشرًا مثلهم، كما أرسلنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلهم.
(وما كان لرسول أن يأتيَ بآية إلا بإذن الله) يقول تعالى ذكره: وما يقدِر رسولٌ أرسله الله إلى خلقه أنْ يأتي أمَّتَه بآية وعلامة، من تسيير الجبال، ونقل بَلْدةٍ من مكان إلى مكان آخر، وإحياء الموتى ونحوها من الآيات، (إلا بإذن الله)، يقول: إلا بأمر الله الجبالَ بالسير، والأرضَ بالانتقال، والميتَ بأن يحيَا. (لكل أجل كتاب)، يقول: لكلِّ أجلِ أمرٍ قضاه الله، كتابٌ قد كتَبَه فهو عنده.
وقد قيل: معناه: لكل كتابٍ أنزله الله من السماء أجَلٌ... وهذا على هذا القول نظيرُ قول الله: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) [سورة ق:19]، وكان أبو بكر رحمه الله يقرأه: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ)، وذلك أن سَكْرة الموت تأتي بالحق، والحق يأتي بها، فكذلك الأجل له كتاب وللكتاب أجَلٌ.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
... قوله "لكل أجل كتاب "معناه لكل أجل قدره، كتاب أثبت فيه، فلا تكون آية الا بأجل قد قضاه الله تعالى في كتاب على ما توجبه صحة تدبير العباد.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ}. أي لكل شيء أجل مثبت في كتاب الله وهو المحفوظ، وله وقت قُسِمَ له، وأنه لا اطلاعَ لأحدٍ على علمه، ولا اعتراضَ لأحدٍ على حُكْمه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{لكل أجل كتاب} لفظ عام في جميع الأشياء التي لها آجال، وذلك أنه ليس كائن منها إلا وله أجل في بدئه أو في خاتمته. وكل أجل مكتوب محصور،...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما حسمت الأطماع عن إجابتهم رجاء الاتباع أو خشية الامتناع، وكان بعضهم قد قال: لو كان نبياً شغلته نبوته عن كثرة التزوج، كان موضع توقع الخبر عما كان للرسل في نحو ذلك، فقال تعالى: {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {رسلاً} ولما كانت أزمان الرسل غير عامة لزمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبلك} أي ولم نجعلهم ملائكة بل جعلناهم بشراً، {و} أثقلنا ظهورهم بما يدعو إلى المداراة والمسالمة بإرضاء الأمم في بعض أهوائهم، أو فصل الأمر عند تحقق المصارمة بإنجاز الوعيد بأن {جعلنا} أي بعظمتنا {لهم أزواجاً} أي نساء ينكحونهن؛ والزوج: القرين من الذكر والأنثى، وهو هنا الأنثى {وذرية} وهي الجماعة المتفرقة بالولادة عن أب واحد في الجملة، وفعل بهم أممهم ما يفعل بك من الاستهزاء، فما اتبع أحد منهم شيئاً من أهواء أمته {و} لم نجعل إليهم الإتيان بما يقترح المتعنتون من الآيات تالفاً لهم، بل {ما كان لرسول} أي رسول كان {أن يأتي بآية} مقترحة أو آية ناسخة لحكم من أحكام شريعته أو شريعة من قبله أو غير ذلك {إلا بإذن الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة، فإن الأمور عنده ليست على غير نظام ولا مفرطاً فيها ولا ضائعاً شيء منها بل {لكل أجل} أي غاية أمر قدره وحده لأن يكون عنده أمر من الأمور {كتاب} قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام والإتيان بالآيات وغيرها، إثباتاً ونسخاً على ما تقتضيه الحكمة، والحكمة اقتضت أن النبوة يكفي في إثباتها معجزة واحدة، وما زاد على ذلك فهو إلى المشيئة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وإذا كان هناك اعتراض على بشرية الرسول فقد كان الرسل كلهم بشرا: (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك، وجعلنا لهم أزواجا وذرية).. وإذا كان الاعتراض بأنه لم يأت بخارقة مادية، فذلك ليس من شأنه إنما هو شأن الله: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله).. وفق ما تقتضيه حكمته وعندما يشاء. وإذا كان هناك خلاف جزئي بين ما أنزل على الرسول وما عليه أهل الكتاب، فإن لكل فترة كتابا، وهذا هو الكتاب الأخير: (لكل أجل كتاب)...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
المقصود من الردّ هو عدم منافاة اتخاذ الزوجة لصفة الرسالة لم يكن داع إلى تعداد بعضهم زوجات كثيرة...
وجملة {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} هي المقصود وهي معطوفة على جملة {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك}. وتركيب {ما كان} يدل على المبالغة في النفي... وإذن الله: هو إذن التكوين للآيات وإعلام الرسول بأن ستكون آية، فاستعير الإتيان للإظهار، واستعير الإذن للخلق والتكوين...
والأجل: الوقت الموقت به عمل معزوم أو موعود. والكتاب: المكتوب، وهو كناية عن التحديد والضبط، لأن شأن الأشياء التي يراد تحققها أن تكتب لئلا يخالف عليها. وفي هذا الرد تعريض بالوعيد. والمعنى: لكل واقع أجلٌ يقع عنده، ولكل أجل كتاب، أي تعيين وتحديد لا يتقدمه ولا يتأخر عنه...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
{ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} تأكيد للصفة البشرية التي اختار الله أن يكون عليها رسله إلى الناس، فهم من ناحية التكوين الخلقي بشر عاديون لا ملائكة، ولا أنصاف ملائكة، ولا صنف آخر من أصناف المخلوقات، {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} [الكهف: 110] -{قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا} [الإسراء: 93]، وهم من ناحية الانتخاب الخلقي والاصطفاء الإلهي للرسالة بشر لا كالبشر {الله أعلم حيث يجعل رسالاته} [الأنعام: 124]. وتفيد الآية الكريمة في نفس الوقت أن الرسالة لا تستلزم رهبانية ولا انصرافا عن الحياة الإنسانية العادية، حياة الزوجية وإنجاب الذرية، خلافا لما ابتدعه المبتدعة في مختلف الأديان والملل، وادعوا أنه يقربهم إلى الله دون حياء ولا خجل...
منهم من قال: ما لهذا الرسول يتزوج النساء؟ ألم يكن من اللائق أن يتفرغ لدعوته؟ وهؤلاء الذين قالوا ذلك لم يستقرئوا الموكب الرسالي، لأنهم لو فعلوا لوجدوا أن أغلب الرسل قد تزوجوا وأنجبوا. وحين تكون حياة الرسول قريبة كمثال واضح من حياة الناس الذين أرسل إليهم؛ ليكون أسوة لهم؛ فالأسوة تتأتى بالجنس القابل للمقارنة؛ وحين تكون حياة الرسول كحياة غيره من البشر في إطارها العام؛ كأب وزوج، فالأسوة تكون واضحة للناس...
ويتابع الحق سبحانه: {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب} أي: ما كان لأحد أن يقترح على الله الآية التي تأتي مع أي رسول من الرسل، ولم يكن لأي رسول حق في اختيار الآية المصاحبة له...
{لكل أجل كتاب} أن لكل رسالة رسولها، ولكل رسالة مكانها، ولكل رسالة معجزتها، فإذا كان الأمر كذلك فدعوا محمد صلى الله عليه وسلم وما اختاره الله له؛ في المكان الذي شاءه سبحانه، وفي الزمان؛ وفي المعجزة المصاحبة له صلى الله عليه وسلم...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} تماماً كما أنت عليه في كونك بشراً، بكل ما تفرضه البشرية عليك من حاجاتٍ ماديةٍ وعلاقاتٍ ومنها علاقات الزواج، وما ينتج عنها من تناسل. وبذلك فإنهم لا يحملون أيّة خصوصية غيبيّةٍ، تقربهم ولو بشكل محدود من حالة الألوهية، فليس لهم قدرة على تغيير نظام العالم بناءً على طلبٍ أو اقتراحٍ في تحويل الصحراء إلى جناتٍ وأنهار، وفي إسقاط السماء قطعاً متناثرةً على الأرض، أو غير ذلك، مما يتصوره الناس من قدرات من خصائص النبوّة وإمكاناتها، فهم عباد مكرمون مطيعون لله، لا يملكون عمل أيّ شيء في شؤونهم الخاصة إلا بالله، فكيف يملكون قدرة تغيير نظام الكون بذاتهم؟...
قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ 38 يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن اليهود عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : ما ترى لهذا الرجل مهمة إلا النساء والنكاح . ولو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فأنزل الله الآية{[2358]} .
والمعنى : لقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلا إلى الأمم التي خلت من قبل هذه الأمة وقد جعلناهم بشرا مثلك يأكلون ويرقدون يتزوجون ولهم الأولاد والذرية ، فما كانوا من الملائكة الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ؛ بل أرسلهم الله بشرا مثلك يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق .
ومن سنن الإسلام التحضيض على النكاح والنهي عن التبتل وهو ترك الزواج ؛ فإن الزواج مدعاة للسكينة ، وصوان النفس عن الجنوح للفاحشة فضلا عما يفضي إليه الزواج من تحصيل للذرية الذين تقر بهم العين وتتحقق بمجموعهم عمارة الأرض فتصلح الحياة ويقوم المجتمع .
وفي الترغيب في الزواج يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم ) .
وروي البخاري في صحيحه عن أنس قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم . فلما أخبروا كأنهم تقالوها . فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ! فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ؟ وقال الآخر : إني أصوم الدهر فلا أفطر ، وقال الآخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج .
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ؛ لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . وروي مسلم أيضا سنده عن سعد بن أبي وقاص قال : أراد عثمان أن يبتل ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا .
وهذه هي طبيعة الإسلام القائم على الاعتدال والوسط ، والمجانب لكل صور المغالاة او التفريط او التنطع . وهو ما ينسجم والفطرة البشرية خير انسجام . ومن الحق الذي لا مراء فيه أن الإسلام وحده لهو الدين المميز الأمثال الذي يراعي طبائع البشر وما جلبوا عليه من شهوات واستعدادات ورغبات أساسية مركوزة بعيدا عن المكابرة أو التطرف أو الغلو ، أو الحرمان أو الكبت . وهذه واحدة من الخصائص الكبرى التي تكفل للإسلام دون غيره أن يصلح عليه الناس ويسعد به الأفراد والمجتمعات في كل الأزمان والأحوال .
قوله : { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ } ما يستطيع أحد من الناس ولا رسول من الرسل أن يأتي أمته بمعجزة أو خارقة من الخوارق كتسيير الجبال ، أو إحياء الموتى ، أو نحو ذلك من الآيات إلا بأمر الله . وذلك رد على الكافرين ؛ إذ اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه من الآيات الخرقة وهو ما بيناه سابقا . وجملته . أن ذلك كله بأمر الله وحده . وما يسأل هؤلاء الجاحدون إلا من باب المكابرة والمعاندة والاستسخار . مع أنهم قد جاءهم القرآن وهو خير معجزة مشهودة تتنزل على الأرض فتعيها العقول وتتملاها القلوب . معجزة باقية خالدة لا تبلى ولا تفنى ولا تبيد ، لكن الناس عنها غافلون لاهون بعد أن اجتالتهم عن إدراكها ووعيها الشياطين !
قوله : { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } أي لكل أمر قضاه الله كتاب عنده يكتبه على عباده ويحكم به فيهم . وقيل : في الكلام تقديم وتأخير . والمعنى : لكل كتاب أجل ؛ أي لكل أمر كتبه الله أجل مؤقت ووقت معلوم . و نظير ذلك قوله تعالى : { لكل نبأ مستقر } والمراد : أن الأمر كله تابع لمشيئة الله واختياره وليس حسب إدارة الكافرين وما يقدمونه من اقتراحات .