تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ} (4)

لم ينقصوكم شيئا : لم يخلّوا في شروط المعاهدة .

ولم يظاهروا عليكم : لم يعاونوا أحداً عليكم .

أما من عاهدتم من المشركين ، فحافَظوا على عهودكم ولم يُخِلّوا بشيء منها ، ولم يُعِينوا عليكم أحداً ، فأوفوا لهم عهدهم إلى نهايته واحترِموه { إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } الذين يحافظون على عهودهم .

وفي هذه الآية دليلٌ على أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهدُ معقودا وتصريحٌ بأن العهد المؤقت لا يجوز نقضُه إلا بانتهاء وقته ، هذا إذا حافظ العدو المعاهد على ذلك العهد ، فإن نقض شيئا منه اعتُبر ناقضاً كما قال تعالى { ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } .

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحَجَّة في مؤذِّنِين بعثَهم يوم النحر يؤذنون بِمِنَى : أن لا يحُجّ بعد العام مُشرِك ، ولا يطوفَ بالبيت عُريان ، ثم أردف بعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره أن يؤذن ببراءة ، يعني يتلوها على الناس .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ} (4)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: "وأذَانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجّ الأكْبَرِ أنّ اللّهَ بَريءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، إلاّ من عهد "الّذَينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ "أيها المؤمنون، "ثُمّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئا "من عهدكم الذي عاهدتموهم، "ولَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَدا من عدوّكم"، فيعينوهم بأنفسهم وأبدانهم، ولا بسلاح ولا خيل ولا رجال. "فأتِمّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدّتِهِمْ" يقول: ففوا لهم بعهدهم الذي عاهدتموهم عليه، ولا تنصبوا لهم حربا إلى انقضاء أجل عهدهم الذي بينكم وبينهم. "إنّ اللّهَ يُحِبّ المُتّقِينَ" يقول: إن الله يحبّ من اتقاه بطاعته بأداء فرائضه واجتناب معاصيه...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

...ثم لم ينقصوكم من شروطكم العهد شيئا، ولم يظاهروا عليكم أحدا فالمظاهرة: المعاونة على العدو للظهور عليه...

معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي 516 هـ :

{إلا الذين عاهدتم من المشركين}. هذا استثناء من قوله {براءة من الله ورسوله إلا الذين عاهدتم من المشركين} إلا من عهد الذين عاهدتم من المشركين، وهم بنو ضمرة، حي من كنانة، أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

واعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين: أحدهما: قوله: {ثم لم ينقصوكم}، والثاني: قوله: {ولم يظاهروا عليكم أحدا}. والأقرب أن يكون المراد من الأول أن يقدموا على المحاربة بأنفسهم، ومن الثاني: أن يهيجوا أقواما آخرين وينصروهم ويرغبوهم في الحرب.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر، لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله، أربعة أشهر، يسيح في الأرض، يذهب فيها لينجو بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت، فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث:"ومن كان له عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهده إلى مدته" وذلك بشرط ألا ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدا، أي: يمالئ عليهم من سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمته وعهده إلى مدته؛ ولهذا حرض الله تعالى على الوفاء بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} أي: الموفين بعهدهم.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

ثم استثنى من هؤلاء الذين تبرأ من عهودهم، وأمر بوعيدهم وتهديدهم، وضرب لهم موعد الأربعة الأشهر، من حافظوا على عهدهم بالدقة التامة والإخلاص فقال: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم}...

والآية تدل على أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهد معقودا، وعلى أن العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته، وأن شرط وجوب الوفاء به علينا محافظة العدو المعاهد لنا عليه بحذافيره، من نص القول وفحواه ولحنه، والمعبر عنهما في هذا العصر بروحه. فإن نقص شيئا ما من شروط العهد وأخلّ بغرض ما من أغراضه عد ناقضا له، إذ قال: {ثم لم ينقصوكم شيئا} ولفظ شيء أعم الألفاظ وهو نكرة في سياق النفي، فيصدق بأدنى إخلال بالعهد. وقرئ في الشواذ (ينقضوكم) بالضاد المعجمة والمهملة أبلغ، ومن الضروري أن من شروطه -التي ينتقض بالإخلال بها- عدم مظاهرة أحد من أعدائنا وخصومنا علينا، وقد صرح بهذا للاهتمام به، وإلا فهو يدخل في عموم ما قبله، وذلك أن الغرض الأول من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر وحرية التعامل بينهما، فمظاهرة أحدهما لعدو الآخر- أي معاونته ومساعدته على قتاله وما يتعلق به- كمباشرته للقتال وغيره بنفسه، يقال ظاهره إذا عاونه {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم} [الأحزاب: 26]، وظاهره عليه إذا ساعده عليه. وتظاهروا عليهم تعاونوا. وكله من الظهر الذي يعبر به عن القوة، ومنه بعير ظهير، ويحتمل أن يكون من الظهور.

{إن الله يحب المتقين} أي لنقض العهود وإخفار الذمم، ولسائر المفاسد المخلة بالنظام، والعدل العام.

وقد ورد في تنفيذ أمر الله تعالى بهذه البراءة والأذان بها- أي التبليغ العام العلني لها- أحاديث في الصحاح والسنن وكتب التفسير المأثور فيها شيء من الخلاف والتعارض نقتصر على أمثلها وأثبتها، وما يجمع بين الروايات ويزيل تعارضها. فجملة تلك الروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحج أنهم يمنعون منه بعد ذلك العام، ثم أردفه بعلي (رضي الله عنه) ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة، وإعطائهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها. ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلق بها من أول سورة براءة وهي 40 أو 33 آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردد بين 30 و40 فتعبير بالأعشار، مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان، وذلك لأن من عادة العرب أن العهود ونبذها إنما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأن عليا كان مختصا بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر الذي كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبي هريرة بمساعدته.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وبعد تقرير المبدأ العام في العلاقات بالبراءة المطلقة من المشركين ومن عهودهم يجيء الاستثناء المخصص للحالات المؤقتة، التي يصار بعدها إلى ذلك المبدأ العام:

{إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً، ولم يظاهروا عليكم أحداً، فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، إن الله يحب المتقين}...

لقد وفى الإسلام لهؤلاء الذين وفوا بعهدهم، فلم يمهلهم أربعة أشهر -كما أمهل كل من عداهم- ولكنه أمهلهم إلى مدتهم. ذلك أنهم لم ينقصوا المسلمين شيئاً مما عاهدوهم عليه، ولم يعينوا عليهم عدواً، فاقتضى هذا الوفاء لهم والإبقاء على عهدهم إلى نهايته.

ذلك مع حاجة الموقف الحركي للمجتمع المسلم في ذلك الحين إلى تخليص الجزيرة بجملتها من الشرك؛ وتحويلها إلى قاعدة أمينة للإسلام؛ لأن أعداءه على حدود الجزيرة قد تنبهوا لخطره، وأخذوا يجمعون له كما سيجيئ في الحديث عن غزوة تبوك -ومن قبل كانت وقعة مؤتة إنذاراً بهذا التحفز الذي أخذ فيه الروم. فضلاً على تحالفهم مع الفرس في الجنوب في اليمن، للتألب على الدين الجديد.

ولقد حدث ما ذكره ابن القيم من أن هؤلاء الذين استثناهم الله وأمر بالوفاء لهم بعهودهم قد دخلوا في الإسلام قبل أن تنقضي مدتهم. بل حدث أن الآخرين الذين كانوا ينقضون عهودهم وغيرهم ممن أمهلوا أربعة أشهر يسيحون فيها في الأرض، لم يسيحوا في الأرض وإنما اختاروا الإسلام أيضاً!

لقد علم الله- سبحانه -وهو ينقل بيده خطى هذه الدعوة، أنه كان الأوان قد آن لهذه الضربة الأخيرة؛ وأن الظروف كانت قد تهيأت والأرض كانت قد مهدت؛ وأنها تجيء في أوانها المناسب؛ وفق واقع الأمر الظاهر، وفق قدر الله المضمر المغيب. فكان هذا الذي كان.

ونقف أمام التعقيب الإلهي على الأمر بالوفاء بالعهد للموفين بعهدهم:

{فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين}..

إنه يعلق الوفاء بالعهد بتقوى الله وحبه- سبحانه -للمتقين. فيجعل هذا الوفاء عبادة له؛ وتقوى يحبها من أهلها.. وهذه هي قاعدة الأخلاق في الإسلام.. إنها ليست قاعدة المنفعة والمصلحة؛ وليست قاعدة الاصطلاح والعرف المتغيرين أبداً.. إنها قاعدة العبادة لله وتقواه. فالمسلم يتخلق بما يحبه الله منه ويرضاه له؛ وهو يخشى الله في هذا ويتطلب رضاه. ومن هنا سلطان الأخلاق في الإسلام؛ كما أنه من هنا مبعثها الوجداني الأصيل.. ثم هي في الطريق تحقق منافع العباد، وتؤمن مصالحهم، وتنشئ مجتمعاً تقل فيه الاحتكاكات والتناقضات إلى أقصى حد ممكن، وترتفع بالنفس البشرية صُعداً في الطريق الصاعد إلى الله..

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ} (4)

قوله تعالى : { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين } الاستثناء من حيث عودة فيه قولان . أحدهما : أنه عائد إلى { براءة } والتقدير هو { براءة من الله ورسوله } إلى المشركين المعاهدين إلا من الذين لم ينقضوا العهد .

ثانيهما : أنه مستثنى من قوله : { فسيحوا في الأرض } لأن الكلام خطاب للمسلمين فيكون المعنى : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين ، فقالوا لهم : سيحوا إلا الذين عاهدتم منهم ثم لم ينقضوا فأتموا إليهم عهدهم ، ولا تجروهم مجراهم ، ولا تجعلوا الوفي كالغادر . وهذا قول الزمخشري في الكشاف .

قوله : { ثم لم ينقضوكم شيئا } أي لم يقع منهم أيما نقص في الوفاء بعدهم { ولم يظهروا عليكم أحدا } أي لم يعانوا عليكم أحدا من أعدائكم { فأتموا إليهم عاهدهم إلى مدتهم } أي أدوا عهدهم الذي عاهدتموهم إلى مدتهم وإن كانت أكثر من أربعة أشهر . فلا تعاملوا الأوفياء معاملة الناكثين الغادرين بعد المدة المذكورة .

قال ابن عباس في هذا الصدد : بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر فأتم إليهم عهدهم .

قوله : { إن الله يحب المتقين } الذين يوفون بعدهم ؛ فإن من شيم الإيمان وعلائم التقوى : الصدق في القول ، والوفاء في العهود والمواثيق{[1721]} .


[1721]:فتح القدير جـ 2 ص 336 والكشاف جـ 2 ص 174 وتفسير الرازي جـ 15 ص 232.