لا جرم : لا بد . ولا محالة وتأتي بمعنى القسم : حقا .
وبعد أن ذكر الأسبابَ التي لأجلِها أصرَّ الكفار على الشِرك وإنكارِ التوحيد ، ذَكَرَ هنا وعيدهم على أعمالهم فقال :
حقاً إن الله يعلم ما يسر هؤلاء المشركون ، ويعلم ما يعلنون من كفرهم وافترائهم عليه . { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين } عن سماع الحق والخضوع له .
وفي الحديث الصحيح : «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كِبْر » . وفي حديث صحيح آخر «إن المتكبرين أمثال الذر يوم القيامة ، تطؤهم القيامة ، تطؤهم الناس بأقدامهم لتكبّرهم » .
" لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون " أي من القول والعمل فيجازيهم . قال الخليل : " لا جرم " كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا ، يقال : فعلوا ذلك ، فيقال : لا جرم سيندمون . أي حقا أن لهم النار . وقد مضى القول في هذا في " هود " {[9847]} مستوفى . " إنه لا يحب المستكبرين " أي لا يثيبهم ولا يثني عليهم . وعن الحسن بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كسرا بينهم{[9848]} وهم يأكلون فقالوا : الغذاء يا أبا عبد الله ، فنزل وجلس معهم وقال : " إنه لا يحب المستكبرين " فلما فرغ قال : قد أجبتكم فأجيبوني ، فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا . قال العلماء . وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر ، فإنه فسق يلزمه الإعلان ، وهو أصل العصيان كله . وفي الحديث الصحيح ( إن المستكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم ) . أو كما قال صلى الله عليه وسلم : ( تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها ) .
قوله : ( لاجرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ) ( لا جرم ) أي لابد ، ولا محالة . وقيل : معناه حقا . والعرب تقول : لا جرم لآتينك . لا جرم لقد أحسنت ؛ فتراها بمنزلة اليمين . وقيل : لا جرم كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة ، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة حقا . فلذلك يجاب عنها باللام كما يجاب بها عن القسم كقولهم : لا جرم لآتينك . وهو قول الفراء{[2514]} .
وفي الآية تأكيد جازم على أن الله يعلم ما يخفيه هؤلاء المشركون الظالمون في قلوبهم من مكنونات السوء والكيد ، وما يضمرونه للإسلام والمسلمين من نوايا الخبث والمكر . وهو كذلك يعلم ما يعلنون للبشرية من مجاهرة بالضلال والكفر وما يشيعونه على الملأ من أقاويل الظلم والباطل ليثيروا من حول الإسلام الشبهات والافتراءات فيثنوا المسلمين عن دينهم ويثبطونهم تثبيطا .
قوله : ( إنه لا يحب المستكبرين ) ليس من ذنب ولا خطيئة أشد شناعة وأفدح فظاعة بعد الإشراك بالله من الكبر ؛ لأن الكبر داء يستحوذ على القلب فيسوّل له الإدبار عن دين الله ويزين له التمرد على الله في شرعه للناس . ولا يحمل المرء في نفسه شيئا من استكبار إلا ويوشك أن يبوء بالشقوة والخسران إلا أن يبادر إلى التوبة والخشوع ؛ فإن من يستكبر يسلس قياده من قبل الشيطان ليجد طريقه ممهدا إلى النار . وهؤلاء المستكبرون لا يحبهم الله ولا يثني عليهم ؛ بل يجزيهم ما يستحقونه من أليم الجزاء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.