تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَـٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (77)

يتوعد الله تعالى في هذه الآية الناكثين للعهد المخْلِفين للوعد ، بالحرمان من النعيم ، وبالعذاب الأليم ، وبأنهم لن يسمعوا منه تعالى كلمة عفوٍ ولا مغفرة .

فالذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلا من عرَض هذه الحياة الدنيا أو بالدنيا كلها ، لن يكون لهم نصيب عند الله ولا قبول . بل لسوف يُعرِض عنهم يوم القيامة ولا يغفر لهم آثامهم ، ولهم عذاب أليم . وهذا يشمل كل من خان الأمانة ، أو نكث بالعهد ، أو حلف على شيء وهو كاذب .

ومن هذا القبيل من يتفق مع آخر على بيع سلعة ، فيزيده إنسان آخر في ثمنها فيبيعها للثاني وينقض اتفاقه مع الأول . وكذلك من يخطب فتاة ، فيعاهده أبوها على تزويجها له نظير مهر مقدّر بينهما ، فيأتي آخر بمهر أكثر فيزوجها له . ومثلُه من يحلف ببراءته من دَين عليه . وقد قال النبي الكريم «من حلَف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلمٍ لقي الله تعالى وهو عليه غضبان » .

روى ابن جرير أن هذه الآية نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحُييّ بن أخطب ، الذين حرّفوا التوراة وبدّلوا نعت رسول الله وحُكم الأمانات وغيرها فيها وأخذوا على ذلك الرشوة .

وروى الطبري عن أنس قال : ما خطبنا رسول الله إلا قال : " لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له " .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَـٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ} (77)

فيه مسألتان :

الأولى : روى الأئمة عن الأشعث بن قيس قال : كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هل لك بينة ) ؟ قلت لا ، قال لليهودي : ( احلف ) قلت : إذاً يحلف فيذهب بمالي ، فأنزل الله تعالى : " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " إلى آخر الآية . وروى الأئمة أيضا عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ) . فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال : ( وإن كان قضيبا من أراك ){[3176]} . وقد مضى في البقرة معنى " لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم " {[3177]} .

الثانية : ودلت هذه الآية والأحاديث أن حكم الحاكم لا يحل المال في الباطن بقضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه ، وقد روى الأئمة عن أم سلمة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع منكم ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة ) . وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة{[3178]} ، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا وقال : إن حكم الحاكم المبني على الشهادة الباطلة يحل الفرج لمن كان محرما عليه ؛ كما تقدم في البقرة{[3179]} . وزعم أنه لو شهد شاهدا زور على رجل بطلاق زوجته وحكم الحاكم بشهادتهما فإن فرجها يحل لمتزوجها ممن يعلم أن القضية باطل . وقد شُنّع عليه بإعراضه عن هذا الحديث الصحيح الصريح ، وبأنه صان الأموال ولم ير استباحتها بالأحكام الفاسدة ، ولم يصن الفروج عن ذلك ، والفروج أحق أن يحتاط لها وتصان . وسيأتي بطلان قوله في آية اللعان{[3180]} إن شاء الله تعالى .


[3176]:- الأراك شجر من الحمض يستاك بقضبانه، الواحدة أراكة.
[3177]:- جـ2 ص 234.
[3178]:- في د: بين الأمة.
[3179]:- راجع المسألة الثالثة جـ2 ص 338.
[3180]:-راجع جـ12 ص 182.