تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ} (9)

اللبس : الستر والتغطية .

ولو جُعل الرسول ملَكاً لجُعل متمثّلاً في صورة بشرٍ ، وذلك ليستطيعوا رؤيتَه ، وسماعَ كلامه فالملائكة أرواح لطيفة لا تُرى ، ولا يمكن أن يظهروا للعيان إلا في صورة جسم بشري . ولو جاءهم ملك في صورة بشر لاعتقدوا أنه بشر مثلهم ، وحينئذٍ يقعون في اللَّبس والخطأ الذي يتخبطون فيه الآن .

وقد ذكر الإمام البخاري في تفسير «قضاء الأمر » عدةَ وجوه :

- إن سنة الله قد جرت بأن أقوام الرسل إذا اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا بها بعد أن جاءتهم ، عذّبهم الله عذاب الاستئصال . والله لا يريد أن يستأصل هذه الأمة التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } .

- إنهم لو شاهدوا الملَك بصورته الأصلية لماتوا من هول ما يشاهدون .

- إنهم اقترحوا ما لا يتوقّف عليه الإيمان ، فلو أُعطوه ولم يجدِ ذلك معهم نفعا ، دلّ ذلك على منتهى العناد الذي يستدعي الإهلاك وعدم الإمهال . . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ} (9)

قوله تعالى : " ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا " أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة ؛ لأن كله جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه ، فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته ، ولما أنسوا به ، ولداخلهم من الرعب من كلامه والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه ، ويمنعهم عن سؤاله ، فلا تعم المصلحة ، ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا : لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم . وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا إبراهيم ولوطا في صورة الآدميين ، وأتى جبريل النبي عليه الصلاة والسلام في صورة دحية الكلبي . أي لو أنزل ملك لرأوه في صورة رجل{[6255]} كما جرت عادة الأنبياء ، ولو نزل على عادته لم يروه ، فإذا جعلناه رجلا التبس عليهم فكانوا يقولون : هذا ساحر مثلك . وقال الزجاج : المعنى " وللبسنا عليهم " أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم ، وكانوا يقولون لهم إنما محمد بشروا وليس بينه وبينكم فروق فيلبسون عليهم بهذا{[6256]} ويشككونهم ، فأعلمهم الله عز وجل أنه لو أنزل في ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس كما يفعلون . واللبس الخلط ، يقال : لبست عليه الأمر ألبسه لبسا أي خلطته ، وأصله التستر بالثوب ونحوه وقال : " لبسنا " بالإضافة إلى نفسه على جهة الخلق ، وقال " ما يلبسون " فأضاف إليهم على جهة الاكتساب .


[6255]:في ع و ك: بشر.
[6256]:في ع: يلبسون عليهم مثل هذا.