تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأنعام

هي السورة السادسة من سور القرآن الكريم ، وهي مكية ، وآياتها مئة وخمس وستون نزلت بعد الحجر ، وقد نزلت جملة واحدة على قول معظم المفسرين والرواة . أما تاريخ نزولها فغير معروف بالضبط ، ولكن أقرب الأقوال أنها نزلت في السنة الخامسة أو السادسة من البعثة . ويعود ترجيح ذلك إلى تعدد الموضوعات التي تناولتها ، والتوسع في عرضها الذي تلمح منه الدعوة والجدل مع المشركين ، بسبب من طول الأعراض من طرفهم وإصرارهم على تكذيب رسول الله . وكل هذا يقتضي التوسع في عرض القضايا العقيدية على هذا النحو .

وفي المصحف الأميري أنها مكية إلا الآيات " 20 ، 23 ، 91 ، 92 ، 114 ، 141 ، 151 ، 152 ، 153 " .

أما الرواية عن قتادة وابن عباس فتقول إن السورة كلها مكية نزلت في ليلة واحدة جملة واحدة ، ما عدا آيتين منها نزلتا بالمدينة ، هما قوله تعالى { وما قدروا الله حق قدره . . } إلى قوله { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } ( 91 ) نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين . وقوله تعالى : { وهو الذي أنشأ جنات معروشات الآية . . . } ( 141 ) نزلت في قيس بن ثابت أو في معاذ بن جبل .

ولسورة الأنعام منهج خاص في معالجتها للقضايا يخالف منهج السور المدنية الأربع التي سبقتها ، وهي : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة . فهذه السور تشترك كلها في هدف واحد ، هو تنظيم شئون المسلمين بالتشريع لهم على اعتبارهم أمة مستقلة ، وبإرشادهم إلى مناقشة جيرانهم أهل الكتاب فيما يتصل بالعقيدة والأحكام ، وإلى الأساس الذي يرجعون إليه ويحكمونه في التعامل معهم في السلم والحرب . وقلما تعرض هذه السور إلى شيء من شئون الشرك ومناقشة المشركين ، كما تفعل سورة الأنعام . ومع اشتراك هذه السور في أصل الهدف العام ، فإنها تختلف قلة وكثرة فيما تتناوله من التشريع الداخلي الخاص بالمسلمين ، والتشريع الخارجي بينهم وبين من يخالفهم في الدين .

أما سورة الأنعام فإنها تتميز عن تلك السور من حيث أهدافها ، فهي ، كسورة مكية ، لم تعرض لشيء من الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين ، كالصوم والحج في العبادات ، والعقوبات في الجنايات ، والمداينة والربا في الأموال ، وأحكام الأسرة في الأحوال الشخصية .

كذلك لم تذكر شيئا عن القتال ومحاربة الخارجين على الدعوة ، كما لم تتحدث في شيء عن أهل الكتاب ، ولا طوائف المنافقين . ولا نجد في السورة نداء واحدا للمؤمنين باعتبارهم جماعة تنظمها وحدة الإيمان ، لأن المجتمع الإسلامي ما كان قد تكون في تلك الفترة .

وتنهج سورة الأنعام منهجا خاصا في معالجتها للقضايا الكبرى التي شغلت العقول منذ القدم ، فتبدأ بالحمد لله ، تثبت استحقاقه وحده له ، وتسير في طريق نوع من أنواع التربية العامة ، وهو ذكر نوع الخلق والإيجاد للكائنات وظواهرها ، { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } .

ثم تسير في وصف عظمة الله في آياته الكونية ، سمائه وأرضه ، وتعرض لاستدلال إبراهيم على وحدانية الله بظاهرة البزوغ والأفول للأجرام السماوية التي لا ينفك الإنسان يقلب بصره فيها .

وأخيرا تقول في نتيجة هذا السبح الطويل : { بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ، وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ، ذلكم ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل ، لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ، ومن عمي فعليها ، وما أنا عليكم بحفيظ وكذلك نصرف الآيات ، وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون } .

فسورة الأنعام عرضت للعناصر الدينية الأولى ، وهي القضايا الكونية الكبرى التي شغلت العقل البشري منذ نظر في الآفاق . وقد كانت هذه القضايا من قديم الزمن ميدانا لاختلاف النظر ، واختلاف ما يدين به الإنسان في خلق العالم ، قديما وحاضرا . والواقع أن هذه القضايا هي التي تحاول نتائجها الإجابة عن أسئلة ثلاثة تتفاعل في نفس الإنسان وكثيرا ما يقف العقل البشري أمامها حائرا مضطربا .

وهذه القضايا هي : قضية الألوهية وعبادة الله ، وقضية الوحي والرسالة ، وقضية البعث والجزاء .

وقد تناولت سورة الأنعام هذه القضايا التي لو عرفتها البشرية وآمنت بها حق الإيمان ، لتخلصت من ظلمات المادة القاتلة ، واستخدمت تلك المادة في بلوغ أقصى درجات السعادة ، وحققت حكمة الله في خلق الإنسان ، وفي إرسال الرسل إلى الناس .

وقد جاء في تضاعيف هذه السورة تصوير متكرر بعبارات مختلفة وأساليب متعددة في هذه القضايا الثلاث .

قضية الألوهية : فمن تصوير قضية الألوهية : { قل أغير الله أتخذ وليا ، فاطر السماوات والأرض } . { قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون } . { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } . { قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } . { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ، وهو على كل شيء وكيل } . { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له } . { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } .

قضية الوحي والرسالة : ومن تصوير قضية الوحي والرسالة : { وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } . { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } . { اتبع ما أوحي إليك من ربك } { وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } . { الله أعلم حيث يجعل رسالته } .

قضية البعث : ومن تصوير قضية البعث : { ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا يرب فيه } . { وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو ، وللدار الآخرة خير للذين يتقون ، أفلا تعقلون } { لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون } . { ويوم يقول كن فيكون ، قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور } . { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } .

هذه نماذج من تصوير سورة الأنعام للقضايا الثلاث التي دار حديثها حولها . وهو تصوير يحمل توجيها واضحا وقويا إلى الحجة والبرهان ، وحسب المنصف في نظره وتدبره أن ينظر فيتفهمه على وجهه الحق ويدرك إشارته وإيحاءه .

ثم تنتهز السورة من الحديث في التحليل والتحريم فرصة لدعوة الناس إلى ما حرم الله في وصايا عشر ، ترجع إلى العقيدة وإلى الأموال والأنفس والمعاملة والفواحش والعدل والوفاء بالعهد . ثم تكون الوصية العاشرة : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } .

ثم تختم السورة – بعد أن تقطع أعذار المشركين وتتوعدهم على الإعراض عن الحق – بآية تكشف للإنسان مكانته عند ربه في هذه الحياة ، فهو خليفة في الأرض ، جعل الله عمارة الكون تحت يديه . وقد فاوت الخالق في المواهب بين أفراد الإنسان لغاية سامية وحكمة عظيمة ، هي الابتلاء في مواقف هذه الحياة . { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم إن ربك سريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم }

ومن هنا كانت سورة الأنعام بين السور المكية ذات شأن في تركيز الدعوة الإسلامية ، تقرر حقائقها وتفند شبه المعارضين لها ، فاقتضت الحكمة الإلهية أن تنزل جملة واحدة ، وقد شاركها في البدء بالحمد أربع سور مكية هي : الفاتحة ، والكهف ، وفاطر ، وسبأ .

يقول الإمام القرطبي في تفسيره : " قال العلماء : إن هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ، ومن كذب بالبعث والنشور . وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة " .

مناسبة هذه السورة لما قبلها : إن من نظر في ترتيب السور كلها في المصحف يرى أنه قد روعي في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة . ومن الحكمة أن في ذلك عونا على تلاوته وحفظه ، فالناس يبدأون بقراءته من أوله ، فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئين ، فالمثاني ، فالمفصل أنفى للملل وأدعى إلى النشاط . ويبدأون من آخره ، لأن ذلك أسهل على الأطفال . ولكن في كل قسم من الطوال والمئين والمفصل تقديما لسور قصيرة على سور أطول منها ، ومن حكمة ذلك أنه قد روعي التناسب في معاني السور مع التناسب في السور ، أي مقدار الطول والقصر .

والسبع الطوال أولها البقرة وآخرها التوبة . وسور المئين ما كانت آياتها أكثر من مائة أو قريبا منها . والمثاني ما كانت آياتها أقل من مائة مما قبل المفصل ، وقد سميت مثاني لأنها ثانية المئين أو لأنها تثنى وتعاد كثيرا في التلاوة- وسميت الفاتحة المثاني لهذا المعنى أيضا . أما المفصل فقد سمي كذلك لكثرة الفصل بين سوره .

وقد تقدم سورة الأنعام أربع سور طوال مدنية ، وجاء بعدهن سورتا الأنعام والأعراف المكيتان ، وبعدهما سورتا الأنفال والتوبة المدنيتان ، وتقعان في أوائل الربع الثاني من القرآن . وما بعدهما من سور النصف الأول من القرآن كله مكي . وسور الربع الثالث كلها مكية ، إلا سورة النور فإنها مدنية ، وسورة الحج فهي مختلطة . أما الربع الرابع فهو مختلط وأكثره سور المفصل التي تقرأ في الصلاة . وهنا يحسن أن نبين مناسبة جعل سورتي الأنعام والأعراف المكيتين بعد السور الأربع المدنية وقبل الأنفال والتوبة ، ثم مناسبة الأنعام للمائدة .

إن سورة البقرة أجمع سور القرآن لأصول الإسلام وفروعه ، ففيها بيان التوحيد والبعث والرسالة العامة والخاصة ، وأركان الإسلام العملية . وفيها بيان الخلق والتكوين ، وأحوال أهل الكتاب والمشركين والمنافقين في دعوة القرآن ، ومحاجة والجميع . فيها بيان أحكام المعاملات المالية ، والقتال ، والزوجية ، والسور الطوال التي بعدها متممة لما فيها ، فالثلاث الأولى منها مفصلة لكل ما يتعلق بأهل الكتاب ، لكن البقرة أطالت في محاجة اليهود خاصة ، وأطالت آل عمران في محاجة النصارى في نصفها الأول ، وحاجتهم سورة النساء في أواخرها ، واشتملت في أثنائها على بيان شئون المنافقين مما أجمل في سورة البقرة . ثم أتمت سورة المائدة محاجة اليهود والنصارى فيما يشتركان فيه وفيما ينفرد كل منهما به .

ولما كان أمر العقائد هو الأهم المقدم في الدين ، وكان شأن أهل الكتاب فيه أعظم من شأن المشركين ، قدمت السور المشتملة على محاجتهم بالتفصيل ، وناسب أن يجيء بعدها ما فيه محاجة المشركين بالتفصيل . وتلك سورة الأنعام لم تستوف مثله سورة مثلها ، فهي متممة لشرح ما في سورة البقرة مما يتعلق بالعقائد .

وجاءت سورة الأعراف بعدها متممة لشرح ما فيها ومبينة لسنن الله تعالى في الأنبياء والمرسلين وشئون أممهم معهم . وهي حجة على المشركين وأهل الكتاب جميعا . لكن سورة الأنعام فصلت الكلام في إبراهيم الذي ينتمي إليه العرب وأهل الكتاب في النسب والدين ، فيما فصلت سورة الأعراف الكلام في موسى الذي ينتمي إليه أهل الكتاب ويتبع شريعته جميع أنبيائهم حتى عيسى ابن مريم .

ولما تم بهذه الصورة تفصيل ما أجمل في سورة البقرة من العقائد في الإلهيات والنبوات والبعث ، ناسب أن يذكر بعدها تكملة ما أجمل فيها من الأحكام ، ولا سيما أحكام القتال والمارقين والمنافقين .

وبذلك يتبين أن ركن المناسبة الأعظم بين سورتي المائدة والأنعام أن المائدة معظمها في محاجة أهل الكتاب ، والأنعام في محاجة المشركين . ومن التناسب بينهما في الأحكام أن سورة الأنعام قد ذكرت أحكام الأطعمة المحرمة في دين الله والذبائح بالإجمال ، فيما ذكرت سورة المائدة ذلك بالتفصيل .

والخلاصة : أن سورة الأنعام نبهت الناس إلى الكون وما فيه من دلالة على عظم المنشئ وجلاله ووحدانيته ، كذلك تضمنت السورة قصص بعض النبيين ، بدءا بقصة إبراهيم ، وكيف أنه أخذ معنى الوحدانية من مطالعة كتاب الكون ، انطلاقا من النجوم ، فالقمر ، ثم الشمس ، وانتهى إلى عبادة الله وحده ، كما وجهت الأنظار إلى عجائب الخلق : كيف ينبت الحي الرطب من الجامد اليابس ، وكيف ينفلق الحب فيكون منه النبات .

وقد ذكرت السورة صفات الجاحدين ، وكيف يتعلقون بأوهام تبعدهم عن الحق وتضلهم . ومن ذلك انطلقت إلى بيان هذه الأوامر التي هي خلاصة الإسلام والأخلاق الحميدة ، وهي : تحريم الشرك ، والزنى ، وقتل النفس ، وأكل مال اليتيم ، ووجوب إيفاء الكيل والميزان ، وتحقيق العدالة ، والوفاء بالعهد ، والإحسان إلى الوالدين ، ومنع وأد البنات . وهذه التي سماها بعض العلماء " الوصايا العشر " .

هذه سورة الأنعام في جملتها ، وفي أسلوبها ، وفي مقارنتها بسواها ، وفيما امتازت به عن غيرها . ومن ذلك يظهر أنه لا مجال للقول بأن بعضها مدني ، ولا بأن آية كذا نزلت في حادثة كذا . أنها كلها جملة واحدة ، نزلت لغاية واحدة هي تركيز الدعوة بتقرير أصولها ، والدفاع عنها ، على الوجه الذي بيناه .

بسم الله الرحمان الرحيم

الحمد : الثناء الحق والذكر الجميل .

الظلمة : الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه ، والنور قسمان : حِسّي وهو ما يدرك بالبصر ، ومعنويّ وهو ما يدرَك بالبصيرة .

الجَعل : الإنشاء والإبداع كالخلق ، إلا أن الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما في هذه الآية ، وبالتشريعي كما في قوله تعالى : « ما جعل الله من بَحيرة ولا سائبة »الآية .

ولم يذكر النور في القرآن إلا مفرداً ، والظلمة إلا جمعاً . وذلك لأن النور واحد حتى لو تعددت مصادره ، فيما تتم الظُلمة بعد حجب النور واعتراضه ، ومصادر ذلك كثيرة . وكذلك حال النور المعنوي ، فهو شيء واحد فيما الظلمات متعددة . فالحق واحد لا يتعدد ، والباطل الذي يقابله كثير . والهدى واحد ، والضلال المقابل له كثير . وقُدمت الظلمات في الذكر على النور لأنها سابقة عليه في الوجود ، فقد وُجدت مادة الكون وكانت سديما كما يقول علماء الفلك ، ثم تكوّنت الشموس والأجرام بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة . وإلى هذا يشير حديث عبد الله بن عمرو : « إن الله خلق الخلق في ظلمة ، ثم رشّ عليهم من نوره ، فمن أصابه نورُه اهتدى ، ومن أخطأهُ ضل » رواه أحمد والترمذي . ويؤيده قوله تعالى : { ثُمَّ استوى إِلَى السماء وَهِيَ دُخَانٌ ، فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ أتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } .

ومثلُ ما سبق أن الظلمات المعنوية أسبقُ في الوجود ، فان نور العلم والهداية كسبيٌ في البشر ، وغير الكسبيِّ منه الوحي ، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور { والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً ، وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .

يعدلون : يجعلون له عديلاً مساوياً في العبادة ، أي : يتخذون له أندادا .

الثناء والذِكر الجميل لله ، الذي خلق هذا الكون وما فيه مما نراه وما لا نراه ، وأوجد الظلمات والنور لمنفعة العباد . ثم مع هذه النعم الجلية يُشرِك به الكافرون ويجعلون له شريكاً في العبادة ! !

بدأت سورة الأنعام هنا في آياتها الأولى ، فركّزت اتجاهها نحو القضايا الثلاث التي أشرنا إليها : الألوهية ، الوحي والرسالة ، وقضية البعث بعد الموت ، فقررت في أولاها ما يوجب النظَر في التوحيد ، وأثبتت لِلّه في سبيل ذلك استحقاق الحمد بحقيقته الشاملة لجميع أنواع صوره ، وأهابت بالعقول أن تلتفت إلى أنه هو الذي خلق الكون بمادته وجوهرة ، فلا أحد غيره يستحق شيئا من الحمد والثناء ، لأن الله هو وحده المصدر ، ولا يصح في عقلٍ أن يتجه بالعبادة والتقديس إلى غيره ، فما أضلَّ أولئك الذين تنكبوا طريق العقل السليم واتخذوا له شركاء هو الّذي خلقهم في جملة ما خلق .

ففي الآية الكريمة إشارة إلى عظمة الخلق ووحدته ، وعظمةُ الخلق تدل على وحدانية الخالق وجلاله : فالسماوات بنجومها وكواكبها ، والأرض وما عليها من حيوان ونبات ، وما في باطنها من معادن جامدة وسائلة ، والبحار وما يسبح فيها من لآلئ وأحياء ، كلها تدل على وحدانية الخالق . وكذلك النور الواحد والظلمات المنوعة ، كظلمة الصخر والبحر والكهف والضباب المتكاثف . . . كل هذا يدل على إبداع الخالق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ} (1)

مقدمة السورة:

مكية في قوله الأكثرين . قال ابن عباس وقتادة : هي مكية كلها إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة ، قوله تعالى : " وما قدروا الله حق قدره " [ الأنعام : 91 ] نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين والأخرى قوله : " وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات " [ الأنعام : 141 ] نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وقال ابن جريج : نزلت في معاذ بن جبل ، وقاله الماوردي . وقال الثعلبي سورة " الأنعام " مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة " وما قدروا الله حق قدره " إلى آخر ثلاث آيات و " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم " [ الأنعام : 151 ] إلى آخر ثلاث آيات . قال ابن عطية : وهي الآيات المحكمات وذكر ابن العربي : أن قوله تعالى : " قل لا أجد " نزل بمكة يوم عرفة . وسيأتي القول في جميع ذلك إن شاء الله . وفي الخبر أنها نزلت جملة واحدة غير الست الآيات وشيعها سبعون ألف ملك مع آية واحدة منها اثنا عشر ألف ملك وهي " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " [ الأنعام : 59 ] نزلوا بها ليلا . لهم زجل{[1]} بالتسبيح والتحميد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتبوها من ليلتهم ، وأسند أبو جعفر النحاس قال : حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو حاتم روح بن الفرج مولى الحضارمة قال حدثنا أحمد بن محمد أبو بكر العمري حدثنا ابن أبي فديك حدثني عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص عن نافع أبي سهل{[2]} بن مالك عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح ) والأرض لهم ترتج ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( سبحان ربي العظيم ) ثلاث مرات{[3]} وذكر الدارمي أبو محمد في مسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه{[4]} قال : الأنعام من نجائب{[5]} القرآن . وفيه عن كعب قال : فاتحة " التوراة " فاتحة الأنعام وخاتمتها خاتمة " هود " . وقاله وهب بن منبه أيضا ، وذكر المهدوي قال المفسرون : إن " التوراة " افتتحت بقوله : " الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض " [ الأنعام : 1 ] الآية وختمت بقوله " الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك{[6]} " [ الإسراء : 111 ] إلى آخر الآية ، وذكر الثعلبي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من قرأ ثلاث آيات من أول سورة " الأنعام " إلى قوله : " ويعلم ما تكسبون " [ الأنعام : 3 ] وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثله عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة{[7]} من حديد ، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له أو يوحي في قلبه شيئا ضربه ضربة فيكون بينه وبينه سبعون حجابا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : " امش في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فأنت عبدي وأنا ربك " . وفي البخاري عن ابن عباس قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب ، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة " الأنعام " " قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم " إلى قوله : " وما كانوا مهتدين{[8]} " [ الأنعام : 140 ] .

تنبيه : قال العلماء : هذه السورة أصل{[9]} في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور ، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة وعليها بنى المتكلمون أصول الدين لأن فيها آيات بينات ترد على القدرية دون السور التي تذكر والمذكورات وسنزيد{[10]} ذلك بيانا إن شاء الله بحول الله تعالى وعونه{[11]} .

فيه خمس مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " الحمد لله " بدأ سبحانه فاتحتها بالحمد على نفسه وإثبات الألوهية أي أن الحمد كله له فلا شريك له فإن قيل : فقد افتتح غيرها بالحمد لله فكان الاجتزاء بواحدة يغني عن سائره . فيقال : لأن لكل واحدة منه معنى في موضعه لا يؤدي عنه غيره من أجل عقده بالنعم المختلفة ، وأيضا فلما فيه من الحجة في هذا الموضع على الذين هم بربهم يعدلون . وقد تقدم معنى " الحمد " في الفاتحة{[6217]} .

الثانية : قوله تعالى : " الذي خلق السماوات والأرض " أخبر عن قدرته وعلمه وإرادته فقال : الذي خلق أي اخترع وأوجد وأنشأ وابتدع ، والخلق يكون بمعنى الاختراع ويكون بمعنى التقدير ، وقد تقدم ، وكلاهما مراد هنا وذلك دليل على حدوثهما فرفع السماء بغير عمد وجعلها مستوية من غير أود{[6218]} وجعل فيها الشمس والقمر آيتين وزينها بالنجوم وأودعها السحاب والغيوم علامتين وبسط الأرض وأودعها الأرزاق والنبات ، وبث فيها من كل دابة آيات جعل فيها الجبال أوتادا وسبلا فجاجا وأجرى فيها الأنهار والبحار وفجر فيها العيون من الأحجار دلالات على وحدانيته ، وعظيم قدرته وأنه هو الله الواحد القهار وبين بخلقه السماوات والأرض أنه خالق كل شيء .

الثالثة : خرج مسلم قال : حدثني سريج بن يونس وهارون بن عبدالله قالا حدثنا حجاج بن محمد قال قال ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : ( خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ) .

قلت : أدخل العلماء هذا الحديث تفسيرا لفاتحة هذه السورة ، قال البيهقي : وزعم أهل العلم بالحديث أنه غير محفوظ لمخالفة ما عليه أهله التفسير وأهله التواريخ . وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى عن أيوب بن خالد وإبراهيم غير محتج به وذكر محمد بن يحيى قال : سألت علي بن المديني عن حديث أبى هريرة ( خلق الله التربة يوم السبت ) . فقال علي : هذا حديث مدني رواه هشام بن يوسف عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن أبي رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي قال علي : وشبك بيدي إبراهيم بن أبي يحيى فقال لي : شبك بيدي أيوب بن خالد وقال لي شبك بيدي عبدالله بن رافع وقال لي : شبك بيدي أبو هريرة وقال لي : شبك بيدي أبو القاسم رسول الله{[6219]} صلى الله عليه وسلم فقال : ( خلق الله الأرض يوم السبت ) فذكر الحديث بنحوه . قال علي بن المديني : وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا الأمر إلا من إبراهيم بن أبي يحيى قال البيهقي : وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف . وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد وإسناده ضعيف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن في الجمعة ساعة لا يوافقها أحد يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه إياه ) قال : فقال عبدالله بن سلام : إن الله عز وجل ابتدأ الخلق فخلق الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق السماوات يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وخلق الأقوات وما في الأرض يوم الخميس ويوم الجمعة إلى صلاة العصر وما بين صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس خلق آدم . خرجه البيهقي . قلت : وفيه أن الله تعالى بدأ الخلق يوم الأحد لا يوم السبت وكذلك تقدم في " البقرة " {[6220]} عن ابن مسعود وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وتقدم فيها أن الاختلاف أيما خلق أولا الأرض أم السماء{[6221]} مستوفى . والحمد لله .

الرابعة : قوله تعالى : " وجعل الظلمات والنور " ذكر بعد خلق الجواهر خلق الأعراض لكون الجوهر لا يستغني عنه وما لا يستغني عن الحوادث فهو حادث . والجوهر في اصطلاح المتكلمين هو الجزء الذي لا يتجزأ الحامل للعرض . وقد أتينا على ذكره في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى في اسمه " الواحد " وسمي العرض عرضا لأنه يعرض في الجسم والجوهر فيتغير به من حال إلى حال والجسم هو المجتمع . وأقل ما يقع عليه اسم الجسم جوهران مجتمعان . وهذه الاصطلاحات وإن لم تكن موجودة في الصدر الأول فقد دل عليها معنى الكتاب والسنة فلا معنى لإنكارها وقد استعملها العلماء واصطلحوا عليها وبنوا عليها كلامهم وقتلوا بها خصومهم

واختلف العلماء في المعنى المراد بالظلمات والنور فقال السدي وقتادة وجمهور المفسرين : المراد سواد الليل وضياء النهار وقال الحسن الكفر والإيمان قال ابن عطية : وهذا خروج عن الظاهر .

قلت : اللفظ يعمه وفي التنزيل : " أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات{[6222]} " [ الأنعام : 122 ] . والأرض هنا اسم للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها وكذلك " والنور " ومثله " ثم يخرجكم طفلا{[6223]} " [ غافر : 67 ] وقال الشاعر :

كلوا في بعض بطنكم تعفوا

وقد تقدم{[6224]} وجعل هنا بمعنى خلق لا يجوز غيره قاله ابن عطية .

قلت : وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق فيكون الجمع معطوفا على الجميع والمفرد معطوفا على المفرد فيتجانس اللفظ وتظهر الفصاحة والله أعلم وقيل : جمع " الظلمات " ووحد " النور " لأن الظلمات لا تتعدى والنور يتعدى ، وحكى الثعلبي أن بعض أهل المعاني قال : " جعل " هنا زائدة والعرب تزيد " جعل " في الكلام كقول الشاعر :

وقد جعلتُ أرى الاثنين أربعةً *** والواحد{[6225]} اثنين لما هدَّنِي الكِبَرُ

قال النحاس : جعل بمعنى خلق وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد . وقد تقدم هذا المعنى ، ومحامل جعل في " البقرة " {[6226]} مستوفى .

الخامسة : قوله تعالى : " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ابتداء وخبر والمعنى : ثم الذين كفروا يجعلون لله عدلا وشريكا وهو الذي خلق هذه الأشياء وحده قال ابن عطية : ف " ثم " دالة على قبح فعل الكافرين لأن المعنى : أن خلقه السماوات والأرض قد تقرر وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم فهذا كما تقول : يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني ، ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثم ، والله أعلم .


[1]:لعله عمرو بن مرة المذكور في سند الحديث (انظر ابن ماجه ج 1 ص 139 وسنن أبي داود ج 1 ص 77 طبع مصر).
[2]:في بعض النسخ: "أبي قاسم"
[3]:في بعض النسخ: "المسيي".
[4]:آية 92 سورة الحج
[5]:آية 98 سورة النحل
[6]:قوله: يقال له خنزب. في نهاية ابن الأثير: "قال أبو عمرو: وهو لقب له، والخنزب (بالفتح): قطعة لحم ويروى بالكسر والضم".
[7]:الزيادة عن لسان العرب مادة (حجر).
[8]:هو النابغة الذبياني، كما في لسان العرب (شطن)
[9]:الزيادة عن لسان العرب مادة (شطن).
[10]:في الأصول: "إذ بطل" والتصويب عن اللسان
[11]:الفائل: عرق في الفخذين يكون في خربة الورك ينحدر في الرجلين.
[6217]:راجع ج 1 ص 131 وما بعدها.
[6218]:الأود: العوج.
[6219]:من ج.
[6220]:راجع ج 1 ص 255- 256 وما بعدها.
[6221]:راجع ج 1 ص 255- 256 وما بعدها.
[6222]:راجع ج 7 ص 78.
[6223]:راجع ج 12 ص 11.
[6224]:تمام البيت: فإن زمانكم زمن خميص يقول الشاعر: كلوا في بعض بطنكم حتى تعتادوا ذلك الزمان ذو مخمصة وجدب.
[6225]:ورد البيت في ج 1 ص 228 "والأربع اثنين" والصواب ما هنا.
[6226]:راجع ج 1 ص 228.