تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا} (50)

فَسَقَ عن أمر ربه : خرج عن طاعته .

فهم لكم عدو : العدو يطلق على الواحد والجمع .

تقدم ذلك في الآية 34 من سورة البقرة ، والآية 11 من سورة الأعراف ، والآية 61 من سورة الإسراء ، وهي في كل موضع جاءت لفائدةٍ ومعنى غير ما جاءت له في المواضع الأخرى ، على اختلاف أساليبها وعباراتها من المعنى المراد منها .

وهنا يشير الله تعالى إلى أن الكفر والعصيانَ مصدرهما طاعة الشيطان ، وإبليس أعدى الأعداءِ ، وقد خرج عن طاعة الله ولم يسجد لآدمَ سجودَ تحيَّةٍ وإكرام ، مع أن الملائكة كلَّهم سجدوا وأطاعوا أمرَ ربهم ، فعصى ربه عن أمره . ومع هذا وبعد أن عرفتم عصيانه وتمرُّدَه على الله تتخذونه هو وأعوانَه أنصاراً لكم من دون الله ، وهم لكم أعداء !

{ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً } بئس البدلُ للكافرين بالله اتخاذُ إبليسَ وذرّيته أولياءَ من دونه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا} (50)

{ 50 } { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا }

يخبر تعالى ، عن عداوة إبليس لآدم وذريته ، وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم ، إكراما وتعظيما ، وامتثالا لأمر الله ، فامتثلوا ذلك { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } وقال : { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } وقال : { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } فتبين بهذا عداوته لله ولأبيكم ولكم ، فكيف تتخذونه وذريته أي : الشياطين { أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } أي : بئس ما اختاروا لأنفسهم من ولاية الشيطان ، الذي لا يأمرهم إلا بالفحشاء والمنكر عن ولاية الرحمن ، الذي كل السعادة والفلاح والسرور في ولايته . وفي هذه الآية ، الحث على اتخاذ الشيطان عدوا ، والإغراء بذلك ، وذكر السبب الموجب لذلك ، وأنه لا يفعل ذلك إلا ظالم ، وأي : ظلم أعظم من ظلم من اتخذ عدوه الحقيقي وليا ، وترك الولي الحميد ؟ " .

قال تعالى : { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } وقال تعالى : { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلٗا} (50)

قوله تعالى : { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا } ذلك تنبيه من الله تعالى لبني آدم على كيد إبليس وعداوته وكراهيته لهم ؛ فإبليس عدو بني آدم الألد . وهو طيلة الزمان لا يبرح الكيد وسوء التدبير للبشر ليضلهم بأساليبه من الوسوسة والإغواء عن سبيل الله ، وليوقع في الدنيا الخراب والفساد فيشيع الكفر والضلال ويعم الظلم والباطل ؛ فتتيه البشرية في العمه والعصيان لتصير في الآخرة إلى الهلاك والخسران . فقال سبحانه منبها مذكرا بحقيقة إبليس : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) .

أي واذكر حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم . وهو سجود تحية وتكريم وتشريف لا سجود إذعان وعبادة ، فاستجابوا لما أمرهم الله به من السجود له ، طائعين الله منيبين إليه ( إلا إبليس كان من الجن ) استثناء منقطع ؛ فإبليس ليس من جنس الملائكة في الأرجح ؛ فهم من نور ، وأصل إبليس من نار . فالأصلان مختلفان تمام الاختلاف ، متباينان كامل التباين . وشتان بين النور المضيء الساطع المشعشع ، والنار اللاهبة اللافحة الحارقة . وقد قيل : كان إبليس من قبيلة يقال لها الجن . وقيل غير ذلك من الآثار التي جُلّها من الإسرائيليات مما لا ينبغي الركون إليه أو الاعتداد به .

والصواب أن إبليس من الجن استنادا إلى ظاهر الآية في قوله مبينا حقيقة إبليس ( كان من الجن ) وهذه جملة مستأنفة ، تبين سبب فسق إبليس وهو كونه من الجن وليس من الملائكة . قال الحسن البصري في ذلك : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ، وإنه لأصل الجن كما أن آدم عليه السلام أصل البشر : قوله : ( فسق عن أمر ربه ) فسق من الفسق ، بالكسر وهو الترك لأمر الله تعالى ، والعصيان والخروج عن طريق الحق . أو الفجور . وسميت الفأرة بالفويسقة ؛ لخروجها من جحرها على الناس{[2830]} ذلك هو إبليس ؛ فإنه بطبعه الخبيث نزّاع لإضلال العباد ، حريص بالغ الحرص على إغوائهم وإفسادهم ليسلكوا سبيل الكفر والباطل فيكونوا شركاءه في جهنم .

قوله : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدوا ) الهمزة ، للإنكار والتعجب ؛ أي ، أبعد هذا الإضلال والإغواء والإفساد والكيد من إبليس لكم ، تتخذونه وذريته أعوانا بدلا عني ؛ إذ تطيعونه وتعصونني ، وتسلكون سبيله في الشر والغي عوضا عن سبيل الله وهديه ( وهم لكم عدو ) في موضع نصب على الحال ؛ أي أتطيعون إبليس مع عداوته القديمة لكم وهو ما يزال يكيد لكم أشد الكيد حتى يطغيكم ويغويكم . أما المراد بذرية إبليس ، فقيل : إنهم يتوالدون كما تتوالد بنو آدم . لكن لا نعلم كيفية التوالد وحصول الذرية . وقيل : المراد بذرية إبليس جنوده وأعوانه من الشياطين .

قوله : ( بئس للظالمين بدلا ) فاعل ( بئس ) مضمر . وتقديره : بئس البدل بدلا للظالمين ذرية إبليس . و ( بدلا ) ، منصوب على التمييز{[2831]} . والمعنى : بئسما استبدلوا بعبادة الله إذا أطاعوا إبليس بدل طاعة الله{[2832]} .


[2830]:- القاموس المحيط جـ3 ص 285.
[2831]:- البيان لابن الأنباري جت2 ص 111.
[2832]:- تفسير الطبري جـ15 ص 169 وفتح القدير جـ3 ص 292 وتفسير النسفي جـ3 ص 16.