اضرب لهم طريقا في البحر يَبَسا : افتح لهم طريقا يابسا لا ماء فيه .
لا تخاف دَرْكا : لا تخاف أن يلحقك احد .
لم يذكر في هذه السورة ما الذي حصل بعد مواجهة موسى لفرعون وقومه حيث آمن السحرة وبنو اسرائيل ( ولقد فصّل ذلك في سورة أخرى ) وإنما انتقل الكلام هنا الى الهجرة والنصر الكبير الذي حصل عند عبور البحر وغرقِ فرعون وجنوده . ثم أتبع ذلك بتعدادِ نعمه على بني اسرائيل ، وذكّره بأن يكونوا معتدلين فلا يأتوا أعمالاً توجب غضبه وأنه غفار لمن تاب وآمن .
وأوحى الله الى موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا ، وأن يشقّ لهم طريقا في البحر ، وطمأَنه أن لا يخاف من فرعون فإنه لن يدركهم .
وضرب موسى بعصاه البحر ، فانشق شقَّين ، كل جانب كأنه طودٌ عظيم كما جاء في
سورة الشعراء { فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم } ، واجتازه موسى ومن معه . قراءات :
{ 77 - 79 } { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى }
لما ظهر موسى بالبراهين على فرعون وقومه ، مكث في مصر يدعوهم إلى الإسلام ، ويسعى في تخليص بني إسرائيل من فرعون وعذابه ، وفرعون في عتو ونفور ، وأمره شديد على بني إسرائيل ويريه الله من الآيات والعبر ، ما قصه الله علينا في القرآن ، وبنو إسرائيل لا يقدرون أن يظهروا إيمانهم ويعلنوه ، قد اتخذوا بيوتهم مساجد ، وصبروا على فرعون وأذاه ، فأراد الله تعالى أن ينجيهم من عدوهم ، ويمكن لهم في الأرض ليعبدوه جهرا ، ويقيموا أمره ، فأوحى إلى نبيه موسى{[518]} أن سر أو سيروا أول الليل ، ليتمادوا{[519]} في الأرض .
قوله تعالى : { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي } يعني : أسر بهم ليلاً من أرض مصر { فاضرب لهم طريقاً في البحر } يعني : اجعل لهم طريقاً في البحر بالضرب بالعصا { يبساً } ليس فيه ماء ولا طين وذلك أن الله أيبس لهم الطريق في البحر { لا تخاف دركاً } قرأ حمزة :لا تخف بالجزم على النهي والباقون : بالألف والرفع على النفي لقوله تعالى : { ولا تخشى } قيل : لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ، ولا تخشى أن يغرقك البحر أمامك .
ثم ساق - سبحانه - جانبا من النعم التى أنعم بها على بنى إسرائيل ، وحذرهم من جحودها ، فقال - تعالى - : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى . . . } .
قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله - سبحانه - : { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي . . } حكاية إجمالية لما انتهى إليه أمر فرعون وقومه ، وقد طوى - سبحانه - ذكر ما جرى عليهم بعد أن تغلب موسى على السحرة . . . وبعد أن مكث موسى يبلغهم دعوة الله - تعالى - مدة طويلة ويطلب منهم إرسالى بنى إسرائيل معه " .
وصدرت الاية الكريمة باللام الموطئة للقسم وبقد تأكيدا لهذا الإيحاء ، وتقريرا له . . .
أى : والله لقد أوحينا إلى عبدنا موسى - عليه السلام - وقلنا له : سر بعبادى من بنى إسرائيل فى أول الليل متجها بهم من مصر إلى البحر الأحمر فإذا ما وصلت إليه ، { فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً } .
أى : فاجعل لهم طريقا فى البحر يابسا ، فالضرب هنا بمعنى الجعل كما فى قولهم : ضرب لهم فى ماله سهما . إذا جعل له سهما .
والمراد بالطريق جنسه فإن الطرق التى حدثت بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر . كانت اثنى عشر طريقا بعدد أسباط بنى إسرائيل .
وعبر - سبحانه - عن بنى إسرائيل الذين خرجوا مع موسى بعنوان العبودية لله - تعالى - للإشعار بعطفه - عز وجل - عليهم ورحمته بهم ، وللتنبيه على طغيان فرعون حيث استعبد واستذل عبادا للخالق - سبحانه - وجعلهم عبيدا له .
قال الجمل : " وقوله { يَبَساً } صفة لقوله { طَرِيقاً } وصف به لما يؤول إليه ، لأنه لم يكن يبسا بعد . وإنما مرت عليه الصبا فجففته . وقيل : هو فى الأصل مصدر وصف به للمبالغة ، أو على حذف مضاف ، أو جميع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة " .
وقوله - سبحانه - : { لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى } تذييل قصد به تثبيت فؤاد موسى - عليه السلام - وإدخال الطمأنينة على قلبه .
والدرك : اسم مصدر بمعنى الإدراك . والجملة فى محل نصب على الحال من فاعل " اضرب " .
أى : اضرب لهم كطريقا فى البحر يابسا ، حالة كونك غير خائف من أن يدركك فرعون وجنوده من الخلف ، وغير وجل من أن يغرقكم البحر من أمامكم .
فالآية الكريمة قد اشتملت على كل ما من شأنه أن يغرس الأمان والاطمئنان فى قلب موسى ومن معه .
قوله تعالى : { ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ( 77 ) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم ( 78 ) وأضل فرعون قومه وما هدى ( 79 ) } .
هذه آيات قصار وقلائل يتدفق من خلالها الإعجاز الظاهر المستعذب . إعجاز ندي وكريم يستشرفه القارئ بفطرته السليمة ليجد فيه من حلاوة النغم وعذوبة الإيقاع ما يثير الوجدان والخاطر ، ويملأ القلب والخيال بهجة وسكينة ، لفرْط ما يتجلى في هذا النظم العجيب من جمال الكلم ، بألفاظه المميزة المصطفاة ، وحروفه الشجية الندية التي تفيض على الجو والخيال ظلالا من النسائم الروحية العطرة . فلكأن القارئ الذي يعشق مثل هذا النظم الباهر يستشعر في أعماقه بنُقلة روحية ونفسية وذهنية يتملاها الخيال ويعشقها الحس . فيا لله لهذا الكلام الرباني العجيب .
أما المعنى للآية : فإنه لما قضى الله أن يهلك فرعون وجنوده الظالمين أمر رسوله موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلا فيأخذ بهم طريق البحر . ولما وصل موسى وبنو إسرائيل البحر ، وفرعون يتبع أثرهم بجنوده حتى إذا تراءى الجمعان ، أصاب بني إسرائيل الهلع والذعر ؛ إذ ظنوا حينئذ انه لا منجاة لهم ولا ملجأ ، يفرون إليه ، فالبحر من أمامهم ، وفرعون وجنوده من ورائهم ، لكن الله نصير المؤمنين الصابرين ومغيث المكروبين المظلومين ، ومعز رسله الأبرار الطاهرين ، قد أمر نبيه وكليمه موسى أن يضرب للبحر بعصاه . وهو قوله : ( فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا ) يبسا منصوب على أنه صفة لقوله : ( طريقا ) وهو مصدر . نقول : يبس يبسا ويُبسا أي لا ماء فيه ولا طين .
لقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق منه اثنا عشر طريقا يابسا لا ماء فيه ولا طين وبين كل طريقين ماء قائم كالجبال وهو قوله في آية ثانية ( فكان كل فرق كالطود العظيم ) أي الجبل الكبير . فأخذ كل سبط من بني إسرائيل طريقا يمشي فيه آمنا سالما من كل مكروه ، لا جرم أن هذا من أعظم المعجزات التي امتنّ الله بها على بني إسرائيل .
قوله : ( لا تخاف دركا ) الجملة الفعلية في موضع نصب على الحال . والتقدير : فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ؛ أي غير خائف إدراك فرعون{[2976]} والدرك والإدراك بمعنى اللحاق .
قوله : ( ولا تخشى ) أي لا تخشى من البحر أن يغشاكم . فلا فرعون يدرككم ولا البحر مغرقكم أو مطبق عليكم . ولكنكم آمنون سالمون وستمضون وسط البحر فوق اليبس في منجاة من كل سوء أو مكروه .