تشير الآية الكريمة إلى ما سبق وتفسيرها :
وبمثل هذا الابتلاء الذي جرت به سنتنا ، امتحنّا المتكَبرين . . . لقد سبقَهم الضعفاء إلى الإسلام ، ليقول المتكبرون مستنكرين ساخرين : هل هؤلاء الفقراء هم الذين أنعم الله عليهم من بيننا بالخير الذي يعد به محمد ؟
وفي الآية إشارة إلى أن ما اغتّر به الكبراء من النعيم لن يدوم ، كما لن يبقى المؤمنون على الضعف الذي صبروا عليه . . . لا بد أن ينعكس الحال ، وتدول الدُّولة لهؤلاء الضعفاء من المؤمنين . وقد صدَق الله وعدَه .
والكاف فى قوله { وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } فى محل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف والتقدير : ومثل ذلك الفتون المتقدم الذى فهم من سياق أخبار الأمم الماضية فتنا بعض هذه الأمم ببعض ، ومن مظاهر ذلك أننا ابتلينا الغنى بالفقير ، والفقير بالغنى ، فكل واحد مبتلى بضده ، فكان ابتلاء الأغنياء الشرفاء حسدهم لفقراء الصحابة على كونهم سبقوهم إلى الإسلام وتقدموا عليهم ، فامتنعوا عن الدخول فى الإسلام لذلك ، فكان ذلك فتنة وابتلاء لهم وأما فتنة الفقراء بالأغنياء فلما يرون من سعة رزقهم وخصب عيشهم . فكان ذلك فتنة لهم .
واللام فى قوله { ليقولوا أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ } تعليلية لأنها هى للباعث على الاختبار أى : ومثل ذلك الفتون فتنا ليقولوا هذه المقالة ابتلاء منا وامتحانا .
والاستفهام فى قوله { أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } للتقرير على أكمل وجه لأنه سبحانه محيط بكل صغير وكبير ودقيق وجليل .
وكذلك تكون الآيات الكريمة قد قررت أن الفضل ليس بالغنى ولا بالجاه ولا بالقوة فى الدنيا ، ولكنه بمقدار شكر الله على ما أنعم ، وأنه سبحانه هو العالم وحده بمن يستحق الفضل علماً ليس فوقه علم .
قوله : { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } الفتنة ، الاختبار والابتلاء . وفتنة الله خلقه بعضهم ببعض تتحقق فيما جعله بينهم من التفاوت في الأرزاق والأخلاق والطبائع . فجعل بعضهم غنيا وبعضهم فقيرا . وجعل بعضهم قويا وبعضهم ضعيفا . وهذا يفضي إلى حاجة بعضهم لبعض اختبارا من الله لهم . قال ابن عباس في تأويل ذلك : يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء . فقال الأغنياء للفقراء : { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } وذلك على سبيل السخرية والاستهزاء بهم .
قوله : { ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا } اللام لام التعليل . والاستفهام للإنكار . والمقصود بهؤلاء : الضعفاء والفقراء . أي أن المشركين المستكبرين وهم الأغنياء والساسة يقولون في جحود وإنكار وسخرية : أهؤلاء الذين أكرمهم الله بالهداية وإصابة الحق وهم فقراء ضعفاء أذلة من بيننا ونحن أغنياء أقوياء . وقد قالوا هذه المقالة على سبيل الاستهزاء بالمؤمنين الضعفاء ومعاداة الإسلام .
قوله : { أليس الله بأعلم بالشاكرين } الاستفهام للتقرير بعلمه . وهذا جواب من الله ورد منه لمقالة المشركين المستنكرين الساخرين من المؤمنين لفقرهم وضعفهم . فبين سبحانه أنه عليم بالصالحين من العباد ، إذ يمن عليهم بالإيمان والهداية دون الرؤساء والعظماء الذين لا يستحقون فضلا ولا تكريما .
ذلك هو القسطاس المستقيم الذي لا يميل ولا يحابي ، والذي يزن به الإسلام مقادير الناس واعتباراتهم . وإنما الاعتبار الحقيقي الأكبر للعقيدة السليمة المستقيمة والتزام شرع الله قولا وعملا ، بغض النظر عن بقية الاعتبارات الأخرى وهي كثيرة ومختلفة . كاعتبار المال والحسب واللون والأصل . لا جرم أن هذه اعتبارات في مقابل العقيدة ، تمضي من غير وزن ولا حساب في تصور الإسلام . إنما التقدير والتكريم لأولي الإيمان الصالح ، والعمل الصالح ، من عباد الله الأتقياء الأبرار .
وهذه حقيقة لا يزيغ عنها إلا معاند مستكبر يؤثر الدنيا بغرورها وزخرفها الفارغ المنفوش على الآخرة بخيرها وفضلها ونعيمها الباقي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.