الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ} (47)

قال ابن عباس : أول ما يدخل أهل الجنة الجنة تعرض لهم عينان ، فيشربون من إحدى العينين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل ، ثم يدخلون العين الأخرى فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم وتصفو وجههم ، وتجري عليهم نضرة النعيم ، ونحوه عن علي رضي الله عنه . وقال علي بن الحسين : نزلت في أبي بكر وعمر وعلي والصحابة ، يعني ما كان بينهم في الجاهلية من الغل . والقول الأول أظهر ، يدل عليه سياق الآية . وقال علي رضي الله عنه : ( أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من هؤلاء ) . والغل : الحقد والعداوة ، يقال منه : غل يغل . ويقال من الغلول وهو السرقة من المغنم : غل يغل : ويقال من الخيانة : أغل يغل . كما قال{[9689]} :

جزى الله عنا حمزةَ ابنةَ نوفلٍ*** جزاءَ مُغِلٍّ بالأمانة كاذبِ

وقد مضى هذا في آل عمران{[9690]} . " إخوانا على سرر متقابلين " أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض تواصلا وتحاببا ، عن مجاهد وغيره . وقيل : الأسرة تدور كيفما شاؤوا ، فلا يرى أحد قفا أحد . وقيل : " متقابلين " قد أقبلت عليهم الأزواج وأقبلوا عليهن بالود . وسرر جمع سرير . مثل جديد وجدد . وقيل : هو من السرور ، فكأنه مكان رفيع ممهد للسرور . والأول أظهر . قال ابن عباس : ( على سرر مكللة بالياقوت والزبرجد والدر ) ، السرير ما بين صنعاء{[9691]} إلى الجابية وما بين عدن إلى أيلة . " وإخوانا " نصب على الحال من " المتقين " أو من المضمر في " ادخلوها " ، أو من المضمر في " آمنين " ، أو يكون حالا مقدرة من الهاء والميم في " صدورهم " .


[9689]:البيت للنمر بن تولب من أبيات في أم أولاده. وكان من حديثها أن أخاه الحارث بن تولب سيد قومه أغار على بني أسد فسبي منهم امرأة منهم يقال لها: "حمزة بنت نوفل" فوهبها لأخيه النمر ففركته فحبسها حتى استقرت وولدت له أولادا، ثم قالت له في بعض أيامها: إني قد اشتقت إلى أهلي، فقال لها: إني أخاف إن صرت إلى أهلك أن تغلبيني على نفسك فواثقته لترجعن إليه، ثم خانت عهده. (راجع الأغاني ج 19 ص 158 طبع بولاق). وفي التاج: جمرة. بجيم. فركته: أبغضته.
[9690]:راجع ج4 ص 255.
[9691]:صنعاء: موضعان، أحدهما باليمن وهي العظمى، وأخرى قرية بالغوطة. والجابية: قرية من أعمال دمشق. وعدن: مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. وأيلة: مدينة على ساحل البحر الأحمر. (عن معجم البلدان).
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ} (47)

قوله : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) النزع ، معناه القلع ؛ أي قلع الله من قلوب المؤمنين يوم القيامة في الجنة ما كان يستكن فيها من حقد على غيرهم من المؤمنين وهم في الدنيا . فإن كان لأحدهم غل ( حقد ) في الدنيا على آخر ؛ نزع الله ذلك من قلبه في الجنة ؛ لتكون بذلك نفوس المؤمنين جميعا طيبة لا يشوبها غل أو حسد ، ولا يعمرها غير المحبة والود .

ذلك هو شأن الناس في الدنيا ، سواء فيهم المؤمنون والعصاة . فما تخلوا قلوبهم في كثير من الأحيان من أوضار الحقد أو الحسد مما يقع بينهم من خلافات وزلات تفضي في الغالب إلى شحن القلوب بالغل والاضطغان . وذلك هو ديدن الإنسانية ذات المركبات المفترقة والمتكاملة . ومن بين ذلك قابلية الإنسان للكراهية واحتمال الضغن على أخيه المسلم لما يلقاه منه من إساءات ينفر منها طبعه فيحمل له من أجل ذلك الغيظ والحقد . وهذه حقيقة تنسحب على الناس جميعا إلا الرفافين المخبتين الأبرار الذين أوتوا من جمال الطبع ونصوع الفطرة وبساطة العريكة ورقتها ما يجعلهم في غاية التسامح والصبر .

أما المؤمنون في الجنة يوم القيامة لا جرم تتبدل طبائعهم وأخلاقهم وسجاياهم غير ما هي عليه ؛ ليتحولوا بذلك إلى أناسي من صنف مبرأ طاهر جديد ، سالم عن عيوب النفس وأدران الطبيعة التي كانوا عليها في الدنيا . وبذلك ينزع الله من قلوبهم الغل نزعا كيلا يبقى بعد ذلك غير المودة والتآلف والانسجام الكامل . قال علي كرم الله وجهه في هذا الصدد : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ؛ أي ممن تعنيهم الآية .

قوله : ( إخوانا على سرر متقابلين ) ( إخوانا ) ، منصوب على الحال من ( المتقين ) أي يكونون في الجنة على أحسن هيئة وخير حال من التآخي والتواد فيما بينهم وهم قاعدون على الأسرة ( متقابلين ) يقابل بعضهم بعضا يتشاطرون فيما بينهم الحديث الكريم الودود في غاية من الأنس والرضا .