قوله تعالى : " وما نرسل المرسلين إلا مبشرين " أي بالجنة لمن آمن " ومنذرين " أي مخوفين بالعذاب من الكفر . وقد تقدم " ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق " قيل : نزلت في المقتسمين كانوا يجادلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : ساحر ومجنون وشاعر وكاهن كما تقدم{[10586]} . ومعنى " يدحضوا " يزيلوا ويبطلوا وأصل الدحض الزلق يقال : دحضت رجله أي زلقت ، تدحض دحضا ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت ودحضت حجته دحوضا بطلت ، وأدحضها الله والإدحاض الإزلاق . وفي وصف الصراط : ( ويضرب الجسر على جهنم وتحل{[10587]} الشفاعة فيقولون اللهم سلم قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟ قال : دَحْضٌ مَزْلَقَةٌ أي تزلق فيه القدم ) قال طرفة :
أبا منذرٍ رُمْتَ الوفاء فهِبته *** وحِدْتَ كما حاد البعيرُ عن الدَّحْضِ
" واتخذوا آياتي " يعني القرآن " وما أنذروا " و " ما " بمعنى المصدر أي والإنذار وقيل : بمعنى الذي ، أي اتخذوا القرآن والذي أنذروا به من الوعيد هزوا أي لعبا وباطلا ، " هزوا " أي اتخذوا القرآن والذي أنذروا به من الوعيد هزوا أي لعبا وباطلا ، وقد تقدم في " البقرة " {[10588]} بيانه . وقيل : هو قول أبي جهل في الزبد والتمر هذا هو الزقوم وقيل : هو قولهم في القرآن هو سحر وأضغاث أحلام وأساطير الأولين ، وقالوا للرسول : " هل هذا إلا بشر مثلكم{[10589]} " [ الأنبياء : 3 ] " وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القرنين عظيم " [ الزخرف : 31 ] و " ماذا أراد الله بهذا مثلا{[10590]} " [ المدثر : 31 ] .
قوله : ( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ) الله يرسل رسله لعباده ليبشروا أهل الإيمان والصلاح فيهم برحمة منه تغشاهم في الدنيا والآخرة ، وينذروا المكذبين والعصاة ما سيبوءون به من الهلاك والخسار وسوء المصير .
قوله : ( ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ) ( الحق ) ، يراد به ههنا الإسلام أو النبوة . ويدحضوا ، من الإدحاض وهو الإزلاق . دحضت حجته ؛ أي بطلت{[2838]} .
والمعنى ، أن المشركين والمكذبين يخاصمون خصامهم العنيد الفاجر ، وهم إنما يحاجّون بالباطل ؛ إذ يصطنعون الحجج الفاسدة والأقاويل الضالة على سبيل المكابرة والمعاندة والتحدي ، كقولهم للنبيين : ( ما أنتم إلا بشر مثلنا ) . أو سؤالهم عن فتية ذهبوا في أول الدهر ولم يظهر أمرهم ، وعن الروح ، ونحو ذلك من الأسئلة التي يصطنعها الجاحدون في معرض التكلف والمشاقة والحذلقة . ذلك كله ( ليدحضوا به الحق ) أي ليبطلوا هذا الدين بمجادلاتهم وخصاماتهم ويذهبوا به إذهابا .
وذلك هو ديدن المكذبين والجاحدين في كل زمان ؛ إذ يصطنعون المجادلات والخصامات والشبهات المكذوبة لينفروا البشرية من تعاليم الإسلام ، وليثيروا في الأرض الشكوك والكراهية لهذا الدين العظيم .
قوله : ( واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ) ما ، مصدرية ، وهي في موضع نصب لأنها معطوفة على ( آياتي ) . وتقديره : واتخذوا آياتي وإنذاري إياهم هزوا . فهزوا ، منصوب لأنه المفعول الثاني لقوله : ( واتخذوا ) {[2839]} أي اتخذوا آيات الله وهي القرآن وما أنذروا به من الوعيد بالعذاب يوم القيامة ( هزوا ) أي موضع سخرية واستهزاء .
وكذلك يفعل المكذبون والمجرمون والجاحدون في كل زمان ؛ إذ يسخرون من آيات الله وحججه وأحكامه ومواعظه بعد أن يثيروا من حولها الأباطيل والأقاويل الظالمة المفتراة ليزهد الناس في دين الله وليرتد المسلمون عن دينهم الحق شر ارتداد{[2840]} .
وكيفما تمالأت قوى الشر والطغيان على الإسلام أو ائتمر به المجرمون والطواغيت ليكيدوا له أشنع كيد بمختلف الأسباب والأساليب ؛ فإن دين الإسلام لا جرم ظاهر على الدين كله ، وأنه لا محالة منصور بعون الله القادر القاهر ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.