الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} (190)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " وقاتلوا " هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ، ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : " ادفع بالتي هي أحسن{[1658]} " [ فصلت : 34 ] وقوله : " فاعف عنهم واصفح{[1659]} " [ المائدة : 13 ] وقوله : " واهجرهم هجرا جميلا{[1660]} " [ المزمل : 10 ] وقوله : " لست عليهم بمسيطر{[1661]} " [ الغاشية : 22 ] وما كان مثله مما نزل بمكة . فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " قاله الربيع بن أنس وغيره . وروي عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا{[1662]} " [ الحج : 39 ] . والأول أكثر ، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة ، فلما نزل الحديبية بقرب مكة - والحديبية اسم بئر ، فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر - فصده المشركون عن البيت ، وأقام بالحديبية شهرا ، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء ، على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام ، وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين ، ورجع إلى المدينة . فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء ، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام ، فنزلت هذه الآية ، أي يحل لكم القتال إن قاتلكم الكفار . فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها ، فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه ، حتى نزل " فاقتلوا المشركين{[1663]} " [ التوبة : 5 ] فنسخت هذه الآية ، قاله جماعة من العلماء . وقال ابن زيد والربيع : نسخها " وقاتلوا المشركين كافة{[1664]} " [ التوبة : 36 ] فأمر بالقتال لجميع الكفار . وقال ابن عباس وعمر بن عبدالعزيز ومجاهد : هي محكمة أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم ، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم ، على ما يأتي بيانه . قال أبو جعفر النحاس : وهذا أصح القولين في السنة والنظر ، فأما السنة فحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكره ذلك ، ونهى عن قتل النساء والصبيان ، رواه الأئمة . وأما النظر فإن " فاعل " لا يكون في الغالب إلا من اثنين ، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة ، والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم ، كالرهبان والزمنى والشيوخ والأجراء فلا يقتلون . وبهذا أوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام ، إلا أن يكون لهؤلاء إذاية ، أخرجه مالك وغيره ، وللعلماء فيهم صور ست :

الأولى : النساء إن قاتلن قتلن ، قال سحنون : في حالة المقاتلة وبعدها ، لعموم قوله : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " ، " واقتلوهم حيث ثقفتموهم " [ البقرة : 191 ] . وللمرأة آثار عظيمة في القتال ، منها الإمداد بالأموال ، ومنها التحريض على القتال ، وقد يخرجن ناشرات شعورهن نادبات مثيرات معيرات بالفرار ، وذلك يبيح قتلهن ، غير أنهن إذا حصلن في الأسر فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن ، وتعذر فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال .

الثانية : الصبيان فلا يقتلون للنهي الثابت عن قتل الذرية ، ولأنه لا تكليف عليهم ، فإن قاتل الصبي قتل .

الثالثة : الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون ، بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم ، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر ، لقول أبي بكر ليزيد : " وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله ، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له " فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا . ولو ترهبت المرأة فروى أشهب أنها لا تهاج{[1665]} . وقال سحنون : لا يغير الترهب حكمها . قال القاضي أبو بكر بن العربي : " والصحيح عندي رواية أشهب ، لأنها داخلة تحت قوله : " فذرهم وما حبسوا أنفسهم له " .

الرابعة : الزمنى . قال سحنون : يقتلون . وقال ابن حبيب : لا يقتلون . والصحيح أن تعتبر أحوالهم ، فإن كانت فيهم إذاية قتلوا ، وإلا تركوا وما هم بسبيله من الزمانة وصاروا{[1666]} مالا على حالهم وحشوة .

الخامسة : الشيوخ . قال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون . والذي عليه جمهور الفقهاء : إن كان شيخا كبيرا هرما لا يطيق القتال ، ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فإنه لا يقتل ، وبه قال مالك وأبو حنيفة . وللشافعي قولان : أحدهما : مثل قول الجماعة . والثاني : يقتل هو والراهب . والصحيح الأول لقول أبي بكر ليزيد ، ولا مخالف له فثبت أنه إجماع . وأيضا فإنه ممن لا يقاتل ولا يعين العدو فلا يجوز قتله كالمرأة ، وأما إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أسر يكون الإمام فيه مخيرا بين خمسة أشياء : القتل أو المن أو الفداء أو الاسترقاق أو عقد الذمة على أداء الجزية . السادسة : العسفاء ، وهم الأجراء والفلاحون ، فقال مالك في كتاب محمد : لا يقتلون وقال الشافعي : يقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية . والأول أصح ، لقوله عليه السلام في حديث رباح{[1667]} بن الربيع ( الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا ) . وقال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذي لا ينصبون لكم الحرب . وكان عمر بن عبد العزيز لا يقتل حراثا ، ذكره ابن المنذر .

الثانية : روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " أهل الحديبية{[1668]} أمروا بقتال من قاتلهم . والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين ، أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه . ألا تراه كيف بينها في سورة " براءة " بقوله : " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار{[1669]} " [ التوبة : 123 ] وذلك أن المقصود أولا كان أهل مكة فتعينت البداءة بهم ، فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة ، وذلك باق متماد إلى يوم القيامة ، ممتد إلى غاية هي قوله عليه السلام : ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم ) . وقيل : غايته نزول عيسى ابن مريم عليه السلام ، وهو موافق للحديث الذي قبله ، لأن نزوله من أشراط الساعة .

الثالثة : قوله تعالى : " ولا تعتدوا " قيل في تأويله ما قدمناه ، فهي محكمة . فأما المرتدون فليس إلا القتل أو التوبة ، وكذلك أهل الزيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة . ومن أسر الاعتقاد بالباطل{[1670]} ثم ظهر عليه فهو كالزنديق يقتل ولا يستتاب . وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق . وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله ، كالحمية وكسب الذكر ، بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، يعني دينا وإظهارا للكلمة . وقيل : " لا تعتدوا " أي لا تقاتلوا من لم يقاتل . فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار ، والله أعلم .


[1658]:راجع ج 12 ص 147
[1659]:راجع ج 6 ص 116
[1660]:راجع ج 19 ص 44
[1661]:راجع ج 20 ص 37
[1662]:راجع ج 12 ص 67
[1663]:راجع ج 8 ص 72 وص 132
[1664]:هو يزيد بن أبي سفيان بن حرب، أسلم يوم فتح مكة، وعقد له أبو بكر رضي الله عنه سنة 13 هـ مع أمراء والجيوش إلى الشام، وكان أول الأمراء الذين خرجوا إليها، وشيعه أبو بكر راجلا، وقال له: "... وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا تخرجن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه ولا تغلل ولا تغبن". راجع موطأ مالك باب الجهاد، وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري.
[1665]:لا تهاج: أي لا تزعج ولا تنفر.
[1666]:هكذا في الأصول.
[1667]:رباح، بباء موحدة. وقيل: بالياء المثناة من تحت. راجع تهذيب التهذيب في حرف الراء.
[1668]:في ا، ب، ز: "أهل المدينة".
[1669]:راجع ج 8 ص 297
[1670]:في بعض نسخ الأصل: ... بالباطن.... " بالنون.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} (190)

قوله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل اله الذي يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين )

كان القتال قبل الهجرة ممنوعا . وهو ما يدل عليه قوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن ) وقوله : ( فاعف عنهم ) وقوله : ( واهجرهم هجرا جميلا ) ولما هاجر النبي ( ص ) إلى المدينة أمره بالقتال بقوله : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ) فكان النبي يقاتل من قاتل ويكف عمن كف عنه حتى نزل قوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وروي أن هذه أول آية نزلت في الأمر بالقتال . وقيل : أول آية في ذلك هي قوله تعالى : ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ) .

قوله : ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المفسدين ) فقد جاء في تأويل هذه الآية قولان :

القول الأول : إن الله يأمر عباده المؤمنين بمقاتلة أعدائهم الذين يقاتلونهم حتى إذا كف الأعداء عن مقاتلتهم ، كان على المؤمنين أن يكفوا كذلك بالمثل ؛ لأن قتالهم من لم يقاتلهم من الكافرين يعتبر عدوانا والله سبحانه ( لا يحب المعتدين ) .

وقيل أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وبقوله تعالى : ( وقاتلوا المشركين كافة ) .

القول الثاني : إن هذه الآية ليست منسوخة بل هي محكمة . وتأويل ذلك أن الله يأمر المؤمنين بمقاتلة أعدائهم الكافرين الذين شأنهم وحالهم وهمهم قتال المسلمين . فكأن الكافرين على قتال دائم مع المؤمنين ، فمن كانت حالة هذه وجب قتاله .

أما الاعتداء الذي نهى الله عنه في هذه الآية فهو كما قاله الحسن البصري يتناول المنهيات من أمور الحرب مثل الغلول والمثلة وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم ثم الرهبان وأصحاب الصوامع ، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة . ويصدق ذلك كله ما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله ( ص ) كان يقول : " اغزوا في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، اغزوا ، ولا تغلو ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الوليد ولا أصحاب الصوامع " .

وعن ابن عباس قال : كان رسول الله ( ص ) إذا بعث جيوشه قال : " اخرجوا بسم الله ، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله ، ولا تعتدوا ، ولا تغلوا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا الوالدان ولا أصحاب الصوامع " .

وعن عبد الله بن عمر قال : وجدت امرأة في بعض مغازي النبي ( ص ) مقتولة فأنكر رسول الله ( ص ) قتل النساء والصبيان .

وقد ذكر القرطبي في تفسيره صورا ستا لأولئك الذين يتجنبهم المسلمون في الحرب فلا يقتلونهم وهم على التفصيل التالي :

أولا : النساء إن لم يقاتلن المسلمين فلا يؤذين ولا يقتلن ، أما إن قاتلن المسلمين أو عملن على تقوية الأعداء بتحريضهم على قتال المسلمين وإمدادهم بالمال والغذاء والعلاج وغير ذلك فإنهن بذلك يقتلن .

ثانيا : الصبيان فهم لا يقتلون ؛ لما ثبت من دليل في النهي عن قتلهم ؛ ولأنهم أصلا غير مكلفين ، لكنهم إن حملوا السلاح مع الأعداء وقاتلوا المسلمين فقد بات قتلهم واجبا .

ثالثا : الرهبان . وهم كذلك لا يقتلون ولا ينبغي إيذاؤهم وإنما يتركون وحالهم من عبادتهم ، لكنهم إذا شاركوا الأعداء في قتال المسلمين قتلوا . وفي يقول أبو بكر الصديق في وصية له ليزيد بن أبي سفيان حينما بعثه إلى الشام : وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله ، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له ، فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا .

رابعا : الزمنى . وهم ذوو الأمراض والعلل المزمنة فإنهم إذا لم يعينوا الكافرين على قتال المسلمين تركوا على الراجح .

خامسا : الشيوخ المسنون . فإن في حكم هؤلاء تفصيلا . فإن كان المسن كبيرا هرما لا يستطيع قتالا أو تقديم رأي أو مشورة للعدو فإنه لا يقتل . وقد ذهب إلى ذلك الإمامان مالك وأبو حنيفة- رضي الله عنهما- وهو قول الجمهور .

أما الإمام الشافعي فله في ذلك قولان . أحدهما : مثل قول الجمهور السابق .

وثانيهما : أنه يقتل . والصحيح ما ذاهب إليه الجمهور استنادا إلى وصية الصديق رضي الله عنه إلى يزيد بن أبي سفيان بعدم قتل أصناف من الناس وفيهم الشيوخ إلا إذا شاركوا في أذية المسلمين في قول أو رأي أو مشورة أو عمل .

سادسا : العسفاء . وهو جميع مفرده : عسيف وهو الأجير . وكذلك الفلاحون الذين ينقطعون لحراثة الأرض وزراعتها . ففي مثل هؤلاء خلاف من حيث الحكم . فقد قال الإمام مالك بعدم قتلهم . وقال الشافعي بقتلهم إلا أن يسلموا أو يؤدوا الجزية . والظاهر أن ما ذهب إليه مالك في هذه المسألة وهو الراجح ؛ وذلك لقول النبي ( ص ) : " الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن حراثا كما ذكر{[253]} .


[253]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 348.