الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (79)

قوله تعالى : " إني وجهت وجهي " أي قصدت بعبادتي وتوحيدي لله عز وجل وحده . وذكر الوجه لأنه أظهر ما يعرف به الإنسان{[6521]} صاحبه . " حنيفا " مائلا إلى الحق . " وما أنا من المشركين " اسم " ما " وخبرها . وإذا وقفت قلت : " أنا " زدت الألف لبيان الحركة ، وهي اللغة الفصيحة . وقال الأخفش : ومن العرب من يقول : " أن " . وقال الكسائي : ومن العرب من يقول : " أنه " . ثلاث لغات . وفي الوصل أيضا ثلاث لغات : أن تحذف الألف في الإدراج ؛ لأنها زائدة لبيان الحركة في الوقف . ومن العرب من يثبت الألف في الوصل ؛ كما قال الشاعر :

أنا سيف العشيرة فاعرفوني{[6522]}

وهي لغة بعض بني قيس وربيعة ، عن الفراء . ومن العرب من يقول في الوصل : آن فعلت ، مثل عان فعلت . حكاه الكسائي عن بعض قضاعة .


[6521]:من ك.
[6522]:هذا صدر بيت، وعجزه كما في اللسان مادة أنن: جميعا قد تذريت السناما
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (79)

قوله : { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } أي وجهت عبادتي وطاعتي وتوحيدي لله وحده . وذكر الوجه نيابة عن الكيان الإنساني كله ، وذلك لشرفه ، ولأنه أظهر ما في الإنسان . فقد أعلن إبراهيم عن توجه كيانه الشخصي كله ، قلبه وروحه وعقله وبدنه كله – مطيعا ممتثلا خاضعا لله الذي { فطر السموات والأرض } أي أوجد وأنشأ السموات بطباقها الواسعة الغائرة في مجاهل هذا الكون ، وكذلك بأجرامها الهائلة المبثوثة المذهلة لهول كثرتها وضخامتها وتناثرها . وكذلك أوجد وأنشأ الأرض بما فيها من أصنام يعبدها المشركون الضالون سفها وحماقة .

قوله : { حنيفا وما أنا من المشركين } حنيفا مائلا إلى الدين القيم . أو صحيح الميل إلى الإسلام ، من الحنف ، بالفتح بمعنى الاستقامة . والحنفية : التوحيد . وهذا إعلان من إبراهيم ، إذ صدع بالحق جهرة على مسامع الملأ والأشهاد أنه على الحنيفية المبرأة من دنس الشرك على تعدد صوره وأشكاله ، وأعلن كذلك مجانبته للشرك ونفيه المطلق أن يكون من المشركين{[1207]} .


[1207]:- تفسير ابن كثير ج 2 ص 150- 152 وتفسير الجلالين ص 113.