قوله تعالى : " وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام " تقدم في " الأعراف{[8607]} " بيانه والحمد لله . " وكان عرشه على الماء " بين أن خلق العرش والماء قبل خلق الأرض والسماء . قال كعب : خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى ؛ فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكنا ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء . وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : إنه سئل عن قوله عز وجل : " وكان عرشه على الماء " فقال : على أي شيء كان الماء ؟ قال : على متن الريح . وروى البخاري عن عمران بن حصين . قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني تميم فقال : ( اقبلوا البشرى بابني تميم ) قالوا : بشرتنا فأعطنا [ مرتين{[8608]} ] فدخل ناس من أهل اليمن فقال : ( اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم ) قالوا : قبلنا ، جئنا لنتفقه في الدين ، ولنسألك عن هذا الأمر ما كان{[8609]} ؟ قال : ( كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء ) ثم أتاني رجل فقال : يا عمران أدرك ناقتك فقد ذهبت ، فانطلقت أطلبها فإذا هي يقطع دونها السراب ، وايم الله لوددت أنها قد ذهبت ولم أقم .
قوله تعالى : " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي خلق ذلك ليبتلي عباده بالاعتبار والاستدلال على كمال قدرته وعلى البعث . وقال قتادة : معنى " أيكم أحسن عملا " " أيكم{[8610]} " أتم عقلا . وقال الحسن وسفيان الثوري : أيكم أزهد في الدنيا . وذكر أن عيسى عليه السلام مر برجل نائم فقال : يا نائم قم فتعبد ، فقال يا روح الله قد تعبدت ، فقال ( وبم تعبدت ) ؟ قال : قد تركت الدنيا لأهلها ، قال : نم فقد فقت العابد بن الضحاك : أيكم أكثر شكرا . مقاتل : أيكم أتقى لله . ابن عباس : أيكم أعمل بطاعة الله عز وجل . وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم : " أيكم أحسن عملا " قال : ( أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله ) فجمع الأقاويل كلها ، وسيأتي في " الكهف{[8611]} " هذا أيضا إن شاء الله تعالى . وقد تقدم معنى الابتلاء . " ولئن قلت إنكم مبعوثون " أي دللت يا محمد على البعث . " من بعد الموت " وذكرت ذلك للمشركين لقالوا : هذا سحر . وكسرت ( إن ) لأنها بعد القول مبتدأة . وحكى سيبويه الفتح . " ليقولن الذين كفروا " فتحت اللام لأنه فعل متقدم لا ضمير فيه ، وبعده " ليقولن " لأن فيه ضميرا . و " سحر " أي غرور باطل ، لبطلان السحر عندهم . وقرأ حمزة والكسائي " إن هذا إلا سحر مبين " كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ولما كان خلق ما منه الرزق أعظم من خلق الرزق وتوزيعه{[38845]} في شمول العلم والقدرة معاً ، تلاه بقوله : { وهو } أي وحده { الذي خلق } أي أوجد وقدر { السماوات والأرض } وحده{[38846]} لم يشركه في ذلك أحد كما أنتم معترفون { في ستة أيام } ولما كان خلق العرش أعظم من ذلك كله فإن جميع السماوات والأرض بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة . وأعظم من ذلك أن يكون محمولاً على الماء الذي لا يمكن حمله في العادة إلا في وعاء ضابط محكم ، تلاه بقوله : { وكان } أي{[38847]} قبل خلقه لذلك { عرشه } مستعلياً{[38848]} { على الماء } ولا يلزم من ذلك الملاصقة كما أن السماء على الأرض من غير ملاصقة . وقد علم من هذا السياق أنه{[38849]} كان قبل الأرض خلق{[38850]} فثبت أنه وما تحته محمولان بمحض القدرة من غير سبب آخر قريب أو{[38851]} بعيد ، فثبت بذلك أن قدرته في درجات من{[38852]} العظمة لا تتناهى ، وهذا زيادة تفصيل لما{[38853]} ذكر في سورة يونس عليه السلام من أمر العرش لأن هذه سورة التفصيل ونبه بقوله تعالى معلقاً ب " خلق " : { ليبلوكم } أي أنه خلق ذلك كله لكم سكناً كاملاً بمهده وسقفه من أكله وشربه وكل ما تحتاجونه فيه وما يصلحكم وما يفسدكم ومكنكم من جميع ذلك{[38854]} والحكمة في خلق ذلك أنه يعاملكم معاملة المختبر ، ودل على شدة الاهتمام بذلك بسوقه مساق الاستفهام{[38855]} في قوله : { أيكم } أي أيها العباد { أحسن عملاً } على أنه فعل هذه الأفعال الهائلة لأجل هذه الأمور التي هم لها مستهينون وبها مستهزئون{[38856]} ، وعلق فعل البلوى عن جملة الاستفهام لما فيه من معنى العلم لأنه طريق إليه ، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله عز وجل : أنفق عليك " ، وقال : " يد{[38857]} الله ملأى لا تغيضها{[38858]} نفقة ، سحاء الليل والنهار ، وقال : أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض{[38859]} ما في يده ، وكان عرشه على الماء ، . وبيده الميزان{[38860]} يخفض ويرفع " وفي الآية حث على محاسن الأعمال والترقي دائماً في مراتب الكمال من العلم الذي هو عمل القلب والعمل{[38861]} الظاهر الذي هو وظيفة الأركان .
ولما ثبت - بيده الخلق الذي هم به{[38862]} معترفون - القدرة على إعادته ، وثبت بالابتلاء أنه لا تتم الحكمة في خلق المكلفين إلا بإعادتهم ليجازي كلاًّ من المحسن والمسيء بفعاله{[38863]} وأنهم ما خلقوا إلا لذلك{[38864]} . عجب من إنكارهم له وأكده{[38865]} لذلك فقال : { ولئن قلت } أي {[38866]}لهؤلاء الذين{[38867]} ما خلقت هذا الخلق العظيم إلا لابتلائهم { إنكم مبعوثون } أي موجودون{[38868]} ، بعثكم{[38869]} ثابت قطعاً لا بد منه .
ولما كان زمن البعث بعض الزمن قال{[38870]} : { من بعد الموت } الذي هو في غاية الابتداء { ليقولن } أكده دلالة على العلم بالعواقب علماً من أعلام النبوة { الذين كفروا إن } أي ما { هذا } أي القول بالبعث { إلا سحر مبين* } أي شيء مثل السحر تخييل باطل لا حقيقة له أو خداع يصرف الناس عن الانهماك في اللذات للدخول في طاعة الأمر .
قوله تعالى : { وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين 7 ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } .
خلق الله السموات والأرض في ستة أيام { وكان عرشه على الماء } أي فوقه ، وذلك يدل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السموات والأرض . وما ينبغي أن نمضي في الحديث عن هذه المسألة أكثر من ذلك ، فإن الوقوف على حقيقة هذه الأحداث الكونية المذهلة وكيفية خلق السموات والأرض في ستة أيام وتصوره عرش الله فوق الماء ، إنما يعلمه الله حق العلم . وما ينبغي للإنسان ذي الإدراك المحدود إلا أن يقف عند ظاهر النص الحكيم مصدقا مستيقنا ، ممسكا عن البحث في الكيفية أو الخوض فيما لا طاقة له به .
قوله : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } { ليبلوكم } من البلاء والابتلاء ؛ أي الاختبار . والمعنى : أن الله خلق ذلك كله ليختبركم بالاستدلال على كمال قدرته ، وأنه هو صانع المقتدر الحكيم ، أو ليختبركم أيكم أعمل بطاعة الله وأبعد عن محارمه .
قوله : { ولئن قلت إنكم مبعوثين من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } لئن بينت لهؤلاء المشركين الضالين أنهم مبعوثين من قبورهم يوم القيامة ، وأنهم موقوفون على ربهم ليلاقوا الحساب والجزاء ؛ فلسوف يكذبونك ويجحدون ما جئتهم به من خبر البعث ويقولون منكرين مستكبرين : { إن هذا إلا سحر مبين } { إن } ، نافيه بمعنى ما ، والإشارة إلى القرآن الكريم ؛ فهو الحاكم بحصول البعث ، فطعنوا فيه بكونه سحرا ليدحضوا القول بالبعث .
وقيل : المراد بالإشارة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فقد تقولوا عليه بأنه ساحر وليس الساحر إلا كاذبا ؛ فهم بذلك يقصدون تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم .