الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} (8)

قوله تعالى : " ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة " اللام في " لئن " للقسم ، والجواب " ليقولن " . ومعنى " إلى أمة " إلى أجل معدود وحين معلوم ، فالأمة هنا المدة ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين . وأصل الأمة الجماعة ، فعبر عن الحين والسنين بالأمة لأن الأمة تكون فيها . وقيل : هو على حذف المضاف ، والمعنى إلى مجيء أمة ليس فيها من يؤمن فيستحقون الهلاك . أو إلى انقراض أمة فيها من يؤمن فلا يبقى بعد انقراضها من يؤمن . والأمة اسم مشترك يقال على ثمانية أوجه : فالأمة تكون الجماعة ، كقوله تعالى : " وجد عليه أمة من الناس{[8612]} " [ القصص : 23 ] . والأمة أيضا اتباع الأنبياء عليهم السلام . والأمة الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به ، كقوله تعالى : " إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا{[8613]} " [ النحل : 120 ] . والأمة الدين والملة ، كقوله تعالى : " إنا وجدنا آباءنا على أمة{[8614]} " [ الزخرف : 22 ] . والأمة الحين والزمان ، كقوله تعالى : " ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة " وكذلك قوله تعالى : " وادكر بعد أمة{[8615]} " [ يوسف : 45 ] والأمة القامة ، وهو طول الإنسان وارتفاعه ، يقال من ذلك : فلان حسن الأمة أي القامة . والأمة الرجل المنفرد بدينه وحده لا يشركه فيه أحد ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده{[8616]} ) . والأمة الأم ؛ يقال : هذه أمة زيد ، يعني أم زيد .

" ليقولن ما يحبسه " يعني العذاب ، وقالوا هذا إما تكذيبا للعذاب لتأخره عنهم ، أو استعجالا واستهزاء ، أي ما الذي يحبسه عنا . " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم " قيل : هو قتل المشركين ببدر ، وقتل جبريل المستهزئين على ما يأتي . " وحاق بهم " أي نزل وأحاط . " ما كانوا به يستهزئون " أي جزاء ما كانوا به يستهزئون ، والمضاف محذوف .


[8612]:راجع ج 13 ص 267.
[8613]:راجع ج 10 ص 197 و ص 62.
[8614]:راجع ج 16 ص 74.
[8615]:راجع ص 201 من هذا الجزء.
[8616]:(يبعث زيد أمة) لأنه كان تبرأ من أديان المشركين، وآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} (8)

ولما كان ما تقدم عنهم من الأفعال ومضى من الأقوال مظنة لمعاجلتهم{[38871]} بالأخذ ، وكان الواقع أنه تعالى يعاملهم{[38872]} بالإمهال فضلاً منه وكرماً ، حكى مقالتهم في مقابلة رحمته لهم فقال : { ولئن أخرنا } أي{[38873]} بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء { عنهم } أي الكفار { العذاب } أي المتوعد به { إلى أمة } أي مدة من الزمان ليس فيها كدر { معدودة } أي محصورة الأيام أي قصيرة معلومة عندنا حتى تعد{[38874]} الأنفاس { ليقولن } على سبيل التكرار { ما يحبسه } أي العذاب عن الوقوع استعجلاً له تكذيباً واستهزاء ، وهو تهديد لهم بأنه آتيهم عن قريب فليعتدوا لذلك .

ولما كان العاقل لا ينبغي أن يسأل عن مثل ذلك إلا بعد قدرته على الدفع ، أعرض عن جوابهم وذكر لهم أنهم عاجزون عن دفاعه عند إيقاعه إعلاماً بأنهم عكسوا في السؤال ، وتحقيقاً لأن ما استهزؤوا به لا حق بهم لا محالة ، فقال مؤكداً لشديد إنكارهم : { ألا يوم } وهو منصوب بخبر " ليس " الدال على جواز تقدم{[38875]} الخبر { يأتيهم{[38876]} ليس } أي العذاب { مصروفاً عنهم } أي بوجه من الوجوه ؛ وقدم الماضي موضع المستقبل تحقيقاً ومبالغة في التهديد فقال{[38877]} : { وحاق بهم } أي أدركهم إذ ذاك على سبيل الإحاطة { ما كانوا } أي بجبلاتهم وسيء طبائعهم ، وقدم الظرف إشارة إلى شدة إقبالهم على الهزء به حتى كأنهم لا يهزؤون بغيره فقال : { به } ولما كان استعجالهم استهزاء ، وضع موضع يستعجلون{[38878]} قوله : { يستهزءون } أي يوجدون الهزء به إيجاداً عظيماً حتى كأنهم يطلبون ذلك .


[38871]:في ظ: لمعالجتهم.
[38872]:زيد بعده في ظ: معاملة.
[38873]:سقط من ظ.
[38874]:في ظ: بعد.
[38875]:سقط من ظ.
[38876]:زيد بعده في الأصل: أي العذاب، ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[38877]:زيد من ظ.
[38878]:في ظ: يستهزون.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ} (8)

قوله : ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة لقولن ما يحسبه } اللام في { لئن } للقسم . وجوابه { ليقولن ما يحسبه } والأمة تعني الحين أو الأجل المعلوم ، أو المدة من الزمن . والمعنى : لئن أمسكنا العذاب عن هؤلاء المشركين فلم نعجله لهم ، وأنسأنا لهم في آجالهم إلى الحين معلوم ؛ فلسوف يقول هؤلاء المشركون : { ما يحسبه } يقولون ذلك على سبيل الاستهزاء والاستعجال ، وتكذيبا للمتوعد .

{ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم } أي يوم يأتيهم العذاب من الله ، فليس من أحد يدفعه عنهم أو يصرفه { وحاق لهم ما كانوا به يستهزئون } أي نزل بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه{[2057]} .


[2057]:تفسير النسفي جـ 2 ص 180، 181 وتفسير الرازي جـ 17 ص 196 والكشاف جـ 2 ص 259.