قوله تعالى : " قالوا يا أبانا ما لك لا تأمننا على يوسف " قيل للحسن : أيحسد المؤمن ؟ قال : ما أنساك ببني يعقوب . ولهذا قيل : الأب جلاّب والأخ سلاّب ، فعند ذلك أجمعوا على التفريق بينه وبين ولده بضرب من الاحتيال . وقالوا ليعقوب : " يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف " وقيل : لما تفاوضوا وافترقوا على رأي المتكلم الثاني عادوا إلى يعقوب عليه السلام وقالوا هذا القول . وفيه دليل على أنهم سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف فأبي علي ما يأتي . قرأ يزيد بن القعقاع وعمرو بن عبيد والزهري " لا تأمنا " بالإدغام ، وبغير إشمام وهو القياس ؛ لأن سبيل ما يدغم أن يكون ساكنا . وقرأ طلحة بن مصرف " لا تأمننا " بنونين ظاهرتين على الأصل . وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رزين - وروي عن الأعمش - " ولا تيمنا " بكسر التاء ، وهي لغة تميم ؛ يقولون : أنت تضرب ، وقد تقدم . وقرأ سائر الناس بالإدغام والإشمام ليدل على حال الحرف قبل إدغامه . " وإنا له لناصحون " أي في حفظه وحيطته{[8972]} حتى نرده إليك . قال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير ، وذلك أن إخوة يوسف قالوا لأبيهم : " أرسله معنا غدا " الآية ؛ فحينئذ قال أبوهم : " إني ليحزنني أن تذهبوا به " [ يوسف : 13 ] فقالوا حينئذ جوابا لقوله : " ما لك لا تأمنا على يوسف " الآية . " أرسله معنا غدا " إلى الصحراء . " غدا " ظرف ، والأصل عند سيبويه غدو ، وقد نطق به على الأصل ، قال النضر بن شميل : ما بين الفجر وصلاة الصبح يقال له غدوة ، وكذا بكرة . " يرتع ويلعب " بالنون وإسكان العين قراءة أهل البصرة . والمعروف من قراءة أهل مكة . " نرتع " بالنون وكسر العين . وقراءة أهل الكوفة . " يرتع ويلعب " بالياء وإسكان العين . وقراءة أهل المدينة بالياء وكسر العين ، القراءة الأولى من قول العرب رتع الإنسان والبعير إذا أكلا كيف شاءا ، والمعنى : نتسع في الخصب ، وكل مخصب راتع ، قال :
فارعَيْ فزارةُ لا هناكِ المَرْتَعُ
وقال آخر{[8973]} :
ترتعُ ما غفلت حتى إذا ادَّكرتْ *** فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ
وقال آخر{[8974]} :
أكفراً بعد ردِّ الموتِ عنِّي *** وبعد عطائك المائةَ الرِّتَاعَا
أي الراتعة لكثرة المرعى . وروى معمر عن قتادة " ترتع " تسعى ؛ قال النحاس : أخذه من قوله : " إنا ذهبنا نستبق " لأن المعنى : نستبق في العدو إلى غاية بعينها ؛ وكذا " يرتع " بإسكان العين ، إلا أنه ليوسف وحده صلى الله عليه وسلم . و " يرتع " بكسر العين من رعي الغنم ، أي ليتدرب بذلك ويرتجل ، فمرة يرتع ، ومرة يلعب لصغره . وقال القتبي " نرتع " نتحارس ونتحافظ ، ويرعى بعضنا بعضا ، من قولك : رعاك الله ، أي حفظك . " ونلعب " من اللعب . وقيل لأبي عمرو بن العلاء : كيف قالوا " ونلعب " وهم أنبياء ؟ فقال : لم يكونوا يومئذ أنبياء . وقيل : المراد باللعب المباح من الانبساط ، لا اللعب المحظور الذي هو ضد الحق ؛ ولذلك لم ينكر يعقوب قولهم " ونلعب " . ومنه قوله عليه السلام : ( فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ){[8975]} . وقرأ مجاهد وقتادة : " يرتع{[8976]} " على معنى يرتع مطيته ، فحذف المفعول ، " ويلعب " بالرفع على الاستئناف ، والمعنى : هو ممن يلعب " وإنا له لحافظون " من كل ما تخاف عليه . ثم يحتمل أنهم كانوا يخرجون ركبانا ، ويحتمل أنهم كانوا رجّالة . وقد نقل أنهم حملوا يوسف على أكتافهم ما دام يعقوب يراهم ، ثم لما غابوا عن عينه طرحوه ليعدو معهم إضرارا به .
فكأنه قيل : إن هذا لحسن من{[40647]} حيث إنه صرفهم عن قتله ، فهل استمروا عليه أو قام منهم قائم في استنزالهم عنه بعاطفة الرحم وود القرابة ؟ فقيل : بل استمروا لأنهم { قالوا } إعمالاً للحيلة{[40648]} في الوصول{[40649]} إليه ، مستفهمين على وجه التعجب لأنه كان أحس منهم الشر ، فكان يحذرهم عليه { يا أبانا ما لك } أيّ أي شيء لك في حال كونك { لا تأمنا على يوسف و } الحال { إنا له لناصحون * } والنصح دليل الأمانة وسببها{[40650]} ، ولهذا قرنا في قوله { ناصح أمين{[40651]} }[ الأعراف :68 ] والأمن : سكون النفس إلى انتفاء الشر ، وسببه طول الإمهال في الأمر الذي يجوز قطعه{[40652]} بالمكروه فيقع{[40653]} الاغترار بذلك الإمهال من الجهال ، وضده الخوف ، وهو انزعاج النفس لما يتوقع من الضر ؛ والنصح : إخلاص العمل من فساد يتعمد ، وضده الغش ، وأجمع{[40654]} القراء على حذف حركة الرفع في تأمن وإدغام نونه بعد إسكانه تبعاً للرسم ، بعضهم إدغاماً محضاً وبعضهم مع الإشمام ، وبعضهم مع الروم ، دلالة على نفي سكون قلبه عليه{[40655]} عليهما الصلاة و{[40656]} السلام بأمنه عليه منهم على أبلغ وجه مع أنهم أهل لأن يسكن إليهم بذلك غاية السكون ، ولو ظهرت ضمة الرفع عند أحد من القراء فات{[40657]} هذا الإيماء إلى هذه النكتة البديعة .
قوله تعالى : { قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ 11 أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } لما اتفق إخوة يوسف على القول الثاني وهو إلقاؤه في قعر البئر ليهلك أو يضيع عادوا إلى أبيهم يعقوب متحيلين متواطئين على خداعه ليأذن همن في إرساله يوسف معهم فيتمموا فيه كيدهم ومكرهم ، فقالوا له مخادعين : { يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } أي ما بالك لا تأمنا عليه فتبعثه معنا إذا خرجنا إلى الصحراء ونحن مؤتمنون عليه وناصحون في حفظه وكلاءته ، نحوطه ونرعاه ونرده إليك
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.