الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (15)

قوله تعالى : " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه " " أن " في موضع نصب ، أي على أن يجعلوه في غيابة الجب . قيل في القصة : إن يعقوب عليه السلام لما أرسله معهم أخذ عليهم ميثاقا غليظا ليحفظنه ، وسلمه إلى روبيل وقال : يا روبيل إنه صغير ، وتعلم يا بني شفقتي عليه ، فإن جاع فأطعمه ، وإن عطش فاسقه ، وإن أعيا{[8979]} فاحمله ثم عجل برده إلي . قال : فأخذوا يحملونه على أكتافهم ، لا يضعه واحد إلا رفعه آخر ، ويعقوب يشيعهم ميلا ثم رجع ، فلما انقطع بصر أبيهم عنهم رماه الذي كان يحمله إلى الأرض حتى كاد ينكسر ، فالتجأ إلى آخر فوجد عند كل واحد منهم أشد مما عند الآخر من الغيظ والعسف ، فاستغاث بروبيل وقال : ( أنت أكبر إخوتي ، والخليفة من بعد والدي علي ، وأقرب الإخوة إلي ، فارحمني وارحم ضعفي ) فلطمه لطمة شديدة وقال : لا قرابة بيني وبينك ، فادع الأحد عشر كوكبا فلتنجك منا ، فعلم أن حقدهم من أجل رؤياه ، فتعلق بأخيه يهوذا وقال : يا أخي ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني ، وارحم قلب أبيك يعقوب ، فما أسرع ما تناسيتم وصيته ونقضتم عهده ، فرق قلب يهوذا فقال : والله لا يصلون إليك أبدا ما دمت حيا ، ثم قال : يا إخوتاه إن قتل النفس التي حرم الله من أعظم الخطايا ، فردوا هذا الصبي إلى أبيه ، ونعاهده ألا يحدث والده بشيء مما جرى أبدا ، فقال له إخوته : والله ما تريد إلا أن تكون لك المكانة عند يعقوب ، والله لئن لم تدعه لنقتلنك معه ، قال : فإن أبيتم إلا ذلك فههنا هذا الجب الموحش القفر ، الذي هو مأوى الحيات والهوام فألقوه فيه ، فإن أصيب بشيء من ذلك فهو المراد ، وقد استرحتم من دمه ، وإن انفلت على أيدي سيارة يذهبون به إلى أرض فهو المراد ، فأجمع رأيهم على ذلك ، فهو قوله الله تعالى : " فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب " وجواب " لما " محذوف ، أي فلما ذهبوا به وأجمعوا على طرحه في الجب عظمت فتنتهم . وقيل : جواب " لما " قولهم : " قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق " [ يوسف : 17 ] . وقيل : التقدير فلما ذهبوا به من عند أبيهم وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها ، هذا على مذهب البصريين ؛ وأما على قول الكوفيين فالجواب . " أوحينا " والواو مقحمة ، والواو عندهم تزاد مع لما وحتى ، قال الله تعالى : " حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها{[8980]} " [ الزمر : 73 ] أي فتحت وقوله : " حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور " {[8981]} [ هود : 40 ] أي فار . قال امرؤ القيس :

فلما أجَزْنَا ساحة الحي وانْتَحَى{[8982]}

أي انتحى ، ومنه قوله تعالى : " فلما أسلما وتله للجبين وناديناه{[8983]} " [ الصافات : 103 - 104 ] أي ناديناه . وفي قوله : " وأوحينا إليه " دليل على نبوته في ذلك الوقت . قال الحسن ومجاهد والضحاك وقتادة : أعطاه الله النبوة وهو في الجب على حجر مرتفع عن الماء . وقال الكلبي : ألقي في الجب ، وهو ابن ثماني عشرة سنة ، فما كان صغيرا ، ومن قال كان صغيرا فلا يبعد في العقل أن يتنبأ الصغير ويوحى إليه . وقيل : كان وحي إلهام كقوله : " وأوحى ربك إلى النحل{[8984]} " [ النحل : 68 ] . وقيل : كان مناما ، والأول أظهر - والله أعلم - وأن جبريل جاءه بالوحي .

قوله تعالى : " لتنبئنهم بأمرهم هذا " فيه وجهان : أحدهما : أنه أوحى إليه أنه سيلقاهم ويوبخهم على ما صنعوا ، فعلى هذا يكون الوحي بعد إلقائه في الجب تقوية لقلبه ، وتبشيرا له بالسلامة . الثاني : أنه أوحى إليه بالذي يصنعون به ، فعلى هذا يكون{[8985]} الوحي قبل إلقائه في الجب إنذارا له . " وهم لا يشعرون " أنك يوسف ، وذلك أن الله تعالى أمره لما أفضى إليه الأمر بمصر ألا يخبر أباه وإخوته بمكانه . وقيل : بوحي الله تعالى بالنبوة ، قاله ابن عباس ومجاهد . وقيل : " الهاء " ليعقوب ، أوحى الله تعالى إليه ما فعلوه بيوسف ، وأنه سيعرفهم بأمره ، وهم لا يشعرون بما أوحى الله إليه ، والله أعلم . ومما ذكر من قصته إذ ألقي في الجب ما ذكره السدي وغيره أن إخوته لما جعلوا يدلونه في البئر ، تعلق بشفير البئر ، فربطوا يديه ونزعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به في هذا الجب ، فان مت كان كفني ، وإن عشت أواري{[8986]} به عورتي ، فقالوا : ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا فلتؤنسك وتكسك ، فقال : إني لم أر شيئا ، فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يسقط فيموت ، فكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم آوى إلى صخرة فقام عليها . وقيل : إن شمعون هو الذي قطع الحبل إرادة أن يتفتت على الصخرة ، وكان جبريل تحت ساق العرش ، فأوحى الله إليه أن أدرك عبدي ، قال جبريل : فأسرعت وهبطت حتى عارضته بين الرمي والوقوع فأقعدته على الصخرة سالما . وكان ذلك الجب مأوى الهوام ، فقام على الصخرة وجعل يبكي ، فنادوه ، فظن أنها رحمة عليه أدركتهم ، فأجابهم ، فأرادوا أن يرضخوه بالصخرة فمنعهم يهوذا ، وكان يهوذا يأتيه بالطعام ، فلما وقع عريانا نزل جبريل إليه ، وكان إبراهيم حين ألقي في النار عريانا أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ، فكان ذلك عند إبراهيم ، ثم ورثه إسحاق ، ثم ورثه يعقوب ، فلما شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذة وجعله في عنقه ، فكان لا يفارقه ، فلما ألقي في الجب عريانا أخرج جبريل دلك القميص فألبسه إياه . قال وهب : فلما قام على الصخرة قال : يا إخوتاه إن لكل ميت وصية ، فاسمعوا وصيتي ، قالوا : وما هي ؟ قال : إذا اجتمعتم كلكم فأنس بعضكم بعضا فاذكروا وحشتي ، وإذا أكلتم فاذكروا جوعي ، وإذا شربتم فاذكروا عطشي ، وإذا رأيتم غريبا فاذكروا غربتي ، وإذا رأيتم شابا فاذكروا شبابي ، فقال له جبريل : يا يوسف كف عن هذا واشتغل بالدعاء ، فإن الدعاء عند الله بمكان ، ثم علمه فقال : قل اللهم يا مؤنس كل غريب ، ويا صاحب كل وحيد ، ويا ملجأ كل خائف ، ويا كاشف كل كربة ، ويا عالم كل نجوى ، ويا منتهى كل شكوى ، ويا حاضر سر كل ملأ ، يا حي يا قيوم أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي ، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك ، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا ، إنك على كل شيء قدير ، فقالت الملائكة : إلهنا نسمع صوتا ودعاء ، الصوت صوت صبي ، والدعاء دعاء نبي . وقال الضحاك : نزل جبريل عليه السلام على يوسف وهو في الجب فقال له : ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن عجل الله لك خروجك من هذا الجب ؟ فقال : نعم فقال له : قل يا صانع كل مصنوع ، ويا جابر كل كسير ، ويا شاهد كل نجوى ، ويا حاضر كل ملأ ، ويا مفرج كل كربة ، ويا صاحب كل غريب ، ويا مؤنس كل وحيد ، ايتني بالفرج والرجاء ، واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحدا سواك ، فرددها يوسف في ليلته مرارا ، فأخرجه الله في صبيحة يومه ذلك من الجب .


[8979]:أعيا الرجل في المشي: كل.
[8980]:الصحيح أن الواو في هذه الآية ليس زائدا وإنما هو للحال مع تقدير قد؛ وذلك لإفادة أن أهل الجنة هيأ الله لهم ما يزيد سرورهم بخلاف أهل النار فتحت لهم عند حضورهم زيادة في حسرتهم. راجع ج 15 ص 284 و ص 104.
[8981]:راجع ج 9 ص 30.
[8982]:تمام البيت: بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل
[8983]:الصحيح أن الواو في هذه الآية ليس زائدا وإنما هو للحال مع تقدير قد وذلك لإفادة أن أهل الجنة هيأ الله لهم ما يزيد سرورهم بخلاف أهل النار فتحت لهم عند حضورهم زيادة في حسرتهم. راجع ج 15 ص 284 و ص 104.
[8984]:راجع ج 10 ص 133.
[8985]:من ع.
[8986]:في ع: أتوارى به وأستر عورتي.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (15)

فكأنه قيل : إن هذا لكيد{[40673]} عظيم وخطب جسيم ، فما فعل أبوهم ؟ فقيل : أجابهم إلى سؤلهم{[40674]} فأرسله معهم { فلما ذهبوا } ملصقين ذهابهم { به وأجمعوا } أي كلهم ، و{[40675]} أجمع كل واحد{[40676]} منهم بأن عزم عزماً صادقاً ؛ والإجماع على الفعل : العزم عليه باجتماع{[40677]} الدواعي كلها { أن يجعلوه } والجعل : إيجاد ما{[40678]} به يصير الشيء على خلاف ما كان عليه ، ونظيره التصيير والعمل { في غيابت الجب } فعلوا ذلك من غير مانع ، ولكن{[40679]} لما كان هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة الحال عليه ترك{[40680]} لأنهم إذا أجمعوا عليه علم أنهم{[40681]} لا مانع لهم منه ؛ ثم عطف على هذا الجواب المحذوف لكونه في قوة الملفوظ قوله : { وأوحينا } أي بما لنا من العظمة { إليه } أي إلى يوسف عليه الصلاة والسلام .

ولما كان في حال النجاة منها بعيدة{[40682]} جداً ، أكد له قوله : { لتنبئنهم } أي لتخبرنهم إخباراً عظيماً على وجه يقل وجود مثله في الجلالة { بأمرهم هذا } أي{[40683]} الذي فعلوه بك { وهم لا يشعرون } - لعلو شأنك وكبر{[40684]} سلطانك وبعد حالك{[40685]} عن أوهامهم ، ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال - أنك{[40686]} يوسف - قاله{[40687]} ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن وابن جريج{[40688]} على ما نقله الرماني ؛ والشعور : إدراك الشيء مثل الشعرة في الدقة ، ومنه المشاعر{[40689]} في البدن ، وكان يوسف عليه الصلاة والسلام حين ألقوه في الجب ابن{[40690]} اثنتي عشرة{[40691]} سنة - قاله الحسن ، قالوا : وتصديق هذا أنهم{[40692]} لما دخلوا عليه ممتارين دعا بالصواع فوضعه على{[40693]} يديه ثم نقره فطن ، فقال : إنه ليخبرني{[40694]} هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، وكان أبوكم{[40695]} يدنيه{[40696]} دونكم ، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة{[40697]} الجب وقلتم لأبيكم : أكله الذئب .


[40673]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الكيد.
[40674]:في ظ: سؤالهم.
[40675]:سقط من م ومد.
[40676]:زيد من ظ.
[40677]:في ظ: بالاجتماع.
[40678]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: مما.
[40679]:سقط من ظ.
[40680]:في مد: لا ترك.
[40681]:في م: أنه.
[40682]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بعيد.
[40683]:سقط من م ومد.
[40684]:في م: كبرياء.
[40685]:في ظ: ذلك.
[40686]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: لأنك.
[40687]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: قال.
[40688]:راجع أيضا البحر 5/288 والدر المنثور- تفسير الآية المعنية.
[40689]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الشاعر.
[40690]:من م، وفي الأصل و ظ: اثني عشر، وفي مد: اثني عشرة.
[40691]:من م، وفي الأصل و ظ: اثني عشر، وفي مد: اثني عشرة.
[40692]:من ظ و م ومد والبحر، وفي الأصل: إنه.
[40693]:من ظ و م ومد والبحر، وفي الأصل: بين.
[40694]:من م ومد والبحر، وفي الأصل و ظ: ليبخرني.
[40695]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أبوه، وليس في البحر.
[40696]:من م و البحر، وفي الأصل و ظ ومد: يدينه.
[40697]:زيد من البحر.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (15)

قوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أي لما أخذوه من أبيهم يعقوب وعزموا بعد ذلك على إلقائه في البئر ، وجواب لما محذوف ، وتقديره : فعلوا ما فعلوه من الأذى ؛ فقد روي أنهم لما برزوا به إلى البرية وغاب يعقوب عن أبصارهم أظهروا له العداوة وشرعوا يؤذونه بالفعل من ضرب وطعن ونحوهما . وكذلك يؤذونه بالقول من شتم وإهانة ونحوهما ، وهو يستعطفهم عليه ويذكرهم الرحم ووصية أبيه لهم بالرفق به ، لكنهم ظلوا سادرين في إيذائه والنيل منه حتى جاءوا به إلى الجب الذي اتفقوا على رميه فيه فربطوه بحبل ودلوه فيه ، فكان إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه ، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة فسقط في الماء فغمره فصعد إلى صخرة تكون في وسطه فقام فوقها .

قوله : { وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وهذا يدل على نبوته في ذلك الوقت . وبذلك أعطى الله يوسف النورة وهو في الجب على حجر مرتفع عن الماء وكان ابن اثنتي عشرة سنة ، وقيل : تسع سنين . وقيل غير ذلك ؛ فقد أوحي الله إلى يوسف وهو في تلك الحال من الضيق والخوف والوحشة تطيبا لقلبه وتثبيتا كيلا يحزن ولا يبتئس مما أصابه ومما هو فيه من كيد إخوته الظالمين الآثمين الذين تفجر الحسد في قلوبهم فاستحوذ عليها أيما استحواذ ففعلوا ما فعلوا . فهان عليهم إيمانهم وغاضت في نفوسهم علائم الرحمة والإشفاق .

لقد أوحي الله إليه وهو في حاله هذه أنه جاعل له فرجا ومخرجا ، وأنه كاشف عنه السوء والبأساء ، وسيكتب الله له النصر والعزة وعلو الشأن ، ولسوف يحدث إخوته بكل ما فعلوه به من وجوه المكر والإيذاء ، { وهم لا يشعرون } أيلا يشعرون بما يخبرك به الوحي ، أو لا يشعرون بأنك يوسف وذلك لدى دخلوهم عليه وهو في مصر ؛ إذ يعرفهم وهم له منكرون . لقد أوحي الله إلى جبريل عليه السلام أن أدرك عبدي ، فأسرع غليه جبريل حتى أقعده على الصخرة سالما . وكان ذلك الجب مأوى الهوام من الحشرات السامة والحيات . وفي هذا الموقف الكئيب الموحش يلجأ يوسف إلى ربه يسأله الخلاص والفرج ويشكو إليه ما فعله به المعتسفون الحاسدون ، ويدعوه بهذا الدعاء الذي علمه إياه جبريل : الله يا مؤنس كل غريب ، ويا صاحب كل وحيد ، ويا ملجأ كل خائف ، ويا كشاف كل كربة ، وعالم كل نجوى ، ويا منتهى كل شكوى ، ويا حاضر كل ملأ ، يا حي يا قيوم ، أسألك أن تقذف رجاءك في قلبي ، حتى لا يكون لي هم ولا شغل غيرك ، وأن تجعل لي من أمري فرجا ومخرجا . إنك على كل شيء قدير . فقالت الملائكة . إلهنا ، نسمع صوتا ودعاء ، الصوت صوت صبي ، والدعاء دعاء نبي ! {[2211]} .


[2211]:تفسير القرطبي جـ 9 ص 144 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 471 وتفسير النسفي جـ 2 ص 214 وفتح القدير جـ 3 ص 12.