قوله تعالى : " اقتلوا يوسف " في الكلام حذف ، أي قال قائل منهم : " اقتلوا يوسف " ليكون أحسم لمادة الأمر . " أو اطرحوه أرضا " أي في أرض ، فأسقط الخافض وانتصب الأرض ، وأنشد سيبويه فيما حذف منه " في " :
لَدْنٌ بِهَزِّ الكف يَعْسِلُ متنَه *** فيهِ كمَا عَسَلَ الطريقَ الثَّعْلَبُ{[8957]}
قال النحاس : إلا أنه في الآية حسن كثير ؛ لأنه يتعدى إلى مفعولين ، أحدهما بحرف ، فإذا حذفت الحرف تعدى الفعل إليه . والقائل قيل : هو شمعون ، قاله وهب بن منبه . وقال كعب الأحبار : دان . وقال مقاتل : روبيل ؛ والله أعلم . والمعنى أرضا تبعد عن أبيه ، فلا بد من هذا الإضمار لأنه كان عند أبيه في أرض{[8958]} . " يخل " جزم ؛ لأنه جواب الأمر ، معناه : يخلص ويصفو . " لكم وجه أبيكم " فيقبل عليكم بكليته . " وتكونوا من بعده " أي من بعد الذنب ، وقيل : من بعد يوسف . " قوما صالحين " أي تائبين ، أي تحدثوا توبة بعد ذلك فيقبلها الله منكم ، وفي هذا دليل على أن توبة القاتل مقبولة ؛ لأن الله تعالى لم ينكر هذا القول منهم . وقيل : " صالحين " أي يصلح شأنكم عند أبيكم من غير أثرة ولا تفضيل .
ولما كان ذلك ، وكان عندهم أن الشاغل الأعظم لأبيهم عنهم إنما هو حب يوسف عليه الصلاة والسلام ، وحب أخيه إنما هو تابع ، كان كأنهم تراجعوا فيما بينهم فقالوا : قد تقرر هذا ، فما أنتم صانعون ؟ فقالوا أو من شاء الله منهم : { اقتلوا يوسف } أصل القتل : إماتة الحركة بالسكون { أو اطرحوه أرضاً } أوصلوا الفعل بدون{[40633]} حرف ونكروها{[40634]} دلالة على أنها منكورة مجهولة بحيث يهلك فيها ، وعنى{[40635]} قائلهم بذلك : إن تورعتم{[40636]} عن مباشرة قتله بأيديكم .
ولما كان التقدير : إن تفعلوا ذلك ، أجابه{[40637]} بقوله : { يخل لكم } أي خاصاً{[40638]} بكم { وجه أبيكم } أي قصده لكم وتوجهه إليكم وقصدكم ونيتكم . ولما كان أهل الدين لا يهملون إصلاح دينهم لأنه محط أمرهم ، قالوا : { وتكونوا } أي كوناً هو في غاية التمكن ، ولما كانوا عالمين بأن الموت لا بد منه . فهو مانع من استغراقهم للزمان الآتي ، أدخلوا الجار فقالوا : { من بعده } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { قوماً } أي ذوي نشاط وقوة على محاولة الأمور { صالحين } أي عريقين{[40639]} في وصف الصلاح مستقيمين على طريقة تدعو إلى الحكمة بوقوع الألفة بينكم واستجلاب محبة الوالد بالمبالغة في بره وبالتوبة من ذنب واحد يكون سبباً لزوال الموجب لداء الحسد الملزوم لذنوب متصلة من البغضاء والمقاطعة والشحناء ، فعزموا على التوبة قبل وقوع الذنب
قوله : { اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } قال إخوة يوسف بعضهم لبعض ، أو قال أحدهم للآخرين { اقتلوا يوسف } وذلك لتهدا نفوسهم منن سورة الحسد المركوم الذي يلسع قلوبهم ويقض أعصابهم { أو اطرحوه أرضا } { أرضا } ، منصوب على أنه ظرف مكان{[2207]} ؛ أي ألقوه بعيدا في أرض منكورة مجهولة { يخل لكم وجه أبيكم } أي خلص لكم وجه أبيكم ؛ فيقبل عليكم بكليته ، فلا ينشغل عنكم بغيركم .
قوله : { وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ } أي تكونوا من بعد مغيب يوسف عنكم بالقتال أو الإلقاء بعيدا { قوما صالحين } أي تائبين إلى الله من جنابة القتل . وقيل : يصلح حالكم عند أبيكم فلا يؤثر عليكم أحدا غيركم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.