الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (6)

قوله تعالى : " وكذلك يجتبيك ربك " الكاف في موضع نصب ؛ لأنها نعت لمصدر محذوف ، وكذلك الكاف في قوله : " كما أتمها على أبويك من قبل " و " ما " كافة . وقيل : " وكذلك " أي كما أكرمك بالرؤيا فكذلك يجتبيك ، ويحسن إليك بتحقيق الرؤيا . قال مقاتل : بالسجود لك . الحسن : بالنبوة . والاجتباء اختيار معالي الأمور للمجتبى ، وأصله من جبيت الشيء أي حصلته ، ومنه جبيت الماء في الحوض ، قاله النحاس . وهذا ثناء من الله تعالى على يوسف عليه السلام ، وتعديد فيما عدده عليه من النعم التي آتاه الله تعالى ، من التمكين في الأرض ، وتعليم تأويل الأحاديث ، وأجمعوا أن ذلك في تأويل الرؤيا . قال عبدالله بن شداد بن الهاد : كان تفسير رؤيا يوسف صلى الله عليه وسلم بعد أربعين سنة ، وذلك منتهى الرؤيا . وعنى بالأحاديث ما يراه الناس في المنام ، وهي معجزة له ؛ فإنه لم يلحقه فيها خطأ . وكان يوسف عليه السلام أعلم الناس بتأويلها ، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم نحو ذلك ، وكان الصديق رضي الله عنه من أعبر الناس لها ، وحصل لابن سيرين فيها التقدم العظيم ، والطبع والإحسان ، ونحوه أو قريب منه كان سعيد بن المسيب فيما ذكروا . وقد قيل في تأويل قوله : " ويعلمك من تأويل الأحاديث " أي أحاديث الأمم والكتب ودلائل التوحيد ، فهو إشارة إلى النبوة ، وهو المقصود بقوله : " ويتم نعمته عليك " أي بالنبوة . وقيل : بإخراج إخوتك إليك ، وقيل : بإنجائك من كل مكروه . " كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم " بالخلة ، وإنجائه من النار . " وإسحاق " بالنبوة . وقيل : من الذبح{[8953]} ، قاله عكرمة . وأعلمه الله تعالى بقوله : " وعلى آل يعقوب " أنه سيعطي بني يعقوب كلهم النبوة ، قاله جماعة من المفسرين . " إن ربك عليم " بما يعطيك . " حكيم " في فعله بك .


[8953]:تقدم أن الذبيح هو إسماعيل وهو الحق وسيأتي في "والصافات" أيضا، وفي ع: والفدا من الذبح.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (6)

ولما علم يعقوب عليه الصلاة والسلام من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده من النبوة والملك قال : { وكذلك } أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف وعز ، ومثل ما اجتباك{[40585]} لها { يجتبيك } أي يختارك ويجمع لك معالي{[40586]} الأمور { ربك } المربي لك بالإحسان للملك والنبوة { ويعلمك من } أي{[40587]} بعض { تأويل الاحاديث } من{[40588]} الرؤيا وغيرها من كتب الله وسنن الأنبياء وغوامض ما تدل عليه المخلوقات الروحانية والجسمانية ، لأن الملك والنبوة لا يقومان إلا بالعلم والتأويل المنتهي الذي يصير إليه المعنى ، وذلك فقه الحديث الذي هو حكمة لأنه إظهار ما يؤول إليه أمره مما عليه معتمد فائدته{[40589]} ، وأكثر استعماله في الرؤيا { ويتم نعمته } بالنبوة { عليك } بالعدل ولزوم المنهج السوي { وعلى آل يعقوب } أي جميع إخوتك ومن أراد الله من ذريتهم ، فيجعل نعمتهم في الدنيا موصولة{[40590]} بنعمة الآخرة ، لأنه عبر عنهم في هذه الرؤيا بالنجوم المهتدى بها ، ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر وشرف ، وإضافته مقصورة على إعلام الناطقين ، قال الراغب : وأما آل{[40591]} الصليب إن صح نقله فشاذ{[40592]} ، ويستعمل فيمن لا خطر له الأهل { كما أتمها على أبويك } .

ولما كان وجودهما لم{[40593]} يستغرق الماضي ، أدخل الجار فقال : { من قبل } أي من{[40594]} قبل هذا الزمان ؛ ثم بين الأبوين بجده وجد أبيه فقال : { إبراهيم } أي بالخلة وغيرها من الكرامة { و } ولده { إسحاق } بالنبوة وجعل الأنبياء والملوك من ولده ، وإتمام النعمة : الحكم{[40595]} بدوامها على خلوصها من شائب فيها بنقصها .

ولما كان ذلك لا يقدر عليه إلا بالعلم المحيط بجميع{[40596]} الأسباب ليقام منها ما يصلح ، والحكمة التي بها يحكم{[40597]} ذلك السبب عن أن يقاومه سبب غيره ، وكان السياق{[40598]} بالعلم أولى{[40599]} لما ذكر من علم التأويل مع ما تقدم من قوله آخر تلك

{ ولله غيب السماوات{[40600]} والأرض{[40601]} }[ هود : 123 ] الآية{[40602]} وما{[40603]} شاكل ذلك أول هذه ، قال : { إن ربك عليم } أي بليغ{[40604]} العلم { حكيم * } أي بليغ{[40605]} الحكمة ، وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها .


[40585]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: اجتبيناك.
[40586]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: معاني.
[40587]:سقط من ظ.
[40588]:زيد من ظ و م ومد.
[40589]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: فاسدته.
[40590]:في مد، موصلة.
[40591]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: آلي.
[40592]:في مد: فساد.
[40593]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لما.
[40594]:زيد من ظ.
[40595]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: بالحكم.
[40596]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: لجميع.
[40597]:زيد من م ومد.
[40598]:في ظ: القياس.
[40599]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أول.
[40600]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م ومد.
[40601]:سقط ما بين الرقمين من ظ و م ومد.
[40602]:123 من هود.
[40603]:في ظ: لما.
[40604]:في مد: بالغ.
[40605]:في مد: بالغ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (6)

قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } الكاف في { وَكَذَلِكَ } في موضع نصب على الحال من ضمير المصدر المقدر ، أو على النعت لمصدر محذوف والتقدير : مثل ذلك الاجتباء العظيم يجتبيك . وقيل : في موضع الرفع على خبر مبتدأ مضمر أي الأمر كذلك{[2204]} و { يَجْتَبِيكَ } ، أي يصطفيك ويختارك من الاجتباء وهو الاختيار{[2205]} لرؤية الكواكب والشمس والقمر ساجدين لك ؛ فإن الله يختارك للنبوة والملك . وقيل : للسجود لك تحية وإكراما . أو لأمور عظام تشمل ذلك وغيره من كبرايات الوجائب والأغراض التي تقتضيها النبوة .

قوله : { وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ } وتأويل الأحاديث يعني التعبير عن الرؤيا أو غرائب الرؤيا . وقيل : عواقب الأمور . وقيل : عموم ذلك وغيره من المغيبات . وقال الزمخشري : الأحاديث بمعنى الرؤى . وتأويلها يعني تفسيرها أو عبارتها . فكان يوسف عليه السلام أعبر الناس للرؤيا وأصلحهم عبارة . وقيل : المراد بتأويل الأحاديث معناي كتب الله وسير الأنبياء وما غمض أو اشتبه على الناس من المقاصد ووجوه الحكمة .

قوله : { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ } إتمامه النعمة عليك يعني بالإيحاء إليك وبعثك نبيا . وقيل : بإيجائك من كل مكروه . أو بإعلاء شأنك وتحقيق رؤياك . وآل يعقوب ، يعني أولاده وذريتهم . والمراد : أن الله قد أتم نعمته عليك بالنبوة والنجاة من الشدائد والمكاره كما أتم نعمته على آل يعقوب وهم نسله ، بالخلاص من المكروه . ولا يقتضي ذلك أن يكون الإنعام على يوسف وإخوته من نوع واحد ؛ فقد أنعم الله على يوسف بنعمة النوبة وغيرها من النعم مما بيناه آنفا . وكذلك أنعم على أخوته بوجوه أخرى من النعم كالخلاص من المكاره وغيرها .

قوله : { كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ } أتم الله نعمته على أبيه إبراهيم بالنبوة والخلة ؛ إذ اتخذه خليلا ، ثم تنجيته من النار . وكذلك قد أتم نعمته على أبيه إسحق بالنبوة .

قوله : { إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } { عليم } بمن يستحق الاجتباء والنعمة ، { حكيم } في تدبير خلقه وفي جعل الأشياء في مواضعها{[2206]} .


[2204]:الدر المصون جـ 6 ص 440.
[2205]:القاموس المحيط ص 1638.
[2206]:تفسير الطبري 12 ص 90- 92 وتفسير النسفي جـ 2 ص 212.