قوله تعالى : { وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه } أي جاؤوا إلى مصر لما أصابهم القحط ليمتاروا ، وهذا من اختصار القرآن المعجز . قال ابن عباس وغيره : لما أصاب الناس القحط والشدة ، ونزل ذلك بأرض كنعان بعث يعقوب عليه السلام ولده للميرة ، وذاع أمر يوسف عليه السلام في الآفاق ، للينه وقربه ورحمته ورأفته وعدل وسيرته ، وكان يوسف عليه السلام حين نزلت الشدة بالناس ، يجلس للناس{[9187]} عند البيع بنفسه ، فيعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم ، لكل رأس وسقا{[9188]} . { فعرفهم } يوسف { وهم له منكرون } لأنهم خلفوه صبيا ، ولم يتوهموا أنه بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من المملكة ، مع طول المدة ، وهي أربعون سنة . وقيل : أنكروه لأنهم اعتقدوا أنه ملك كافر : وقيل : رأوه لابس حرير ، وفي عنقه طوق ذهب ، وعلى رأسه تاج ، وقد تزيا بزي فرعون مصر ، ويوسف رآهم على ما كان عهدهم في الملبس والحلية . ويحتمل أنهم رأوه وراء ستر فلم يعرفوه . وقيل : أنكروه لأمر خارق امتحانا امتحن الله به يعقوب .
ولما كان المعنى - كما تقدم : فجعل إليه{[41997]} خزائن الأرض ، فجاءت السنون المخصبة ، فدبرها بما علمه الله ، ثم جاءت السنون المجدبة{[41998]} فأجدبت{[41999]} جميع أرض مصر وما والاها{[42000]} من بلاد الشام وغيرها ، فأخرج ما كان ادخره{[42001]} من غلال سبع سنين بالتدريج أولاً فأولاً - كما حد له { العليم الحكيم } فتسامع به الناس فجاؤوا للامتيار منه من كل أوب { وجاء إخوة يوسف } العشرة لذلك ، وخلف أبوهم بنيامين أخا يوسف عليه السلام لأمه عنده ، ودل على تسهيله إذنهم بالفاء فقال{[42002]} : { فدخلوا عليه } أي لأنه كان يباشر الأمور بنفسه كما هو فعل الكفاة الحزمة ، لا يثق فيه بغيره { فعرفهم } لأنه كان مرتقباً لحضورهم لعلمه بجدب{[42003]} بلادهم وعقد همته بهم . مع كونه يعرف هيئاتهم في لباسهم وغيره{[42004]} ، ولم يتغير عليه{[42005]} كبير من حالهم . لمفارقته إياهم رجالاً { وهم له منكرون * } ثابت إنكارهم عريق{[42006]} فيهم وصفهم به ، لعدم خطوره ببالهم لطول العهد{[42007]} ، مع ما تغير عليهم من هيئته بالسن وانضاف إليه من الحشم{[42008]} والخدم واللباس وهيئة البلد وهيبة{[42009]} الملك وعز السلطان ، وغير ذلك مما ينكر معه المعروف ، ويستوحش لأجله من المألوف ، وفق ما قال تعالى { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون{[42010]} }[ يوسف :15 ]
والمعرفة : تبين{[42011]} الشيء بالقلب بما لو شوهد{[42012]} لفرق بينه وبين غيره مما ليس على خاص صفته .
قوله تعالى : { وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ 58 وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ 59 فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ 60 قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ 61 وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } بعد أن عم القحط بلاد مصر ووصل إلى بلاد كنعان حيث يقيم يعقوب عليه السلام وبنوه أخذ الناس من كل مكان يردون مصر طلبا للميرة . وكان يوسف عليه السلام قد احتاط للناس في غلاتهم فجمعها أحسن جمع ، فكان عليه السلام رحمة من الله على مصر بما أوتيه من سعة العقل والعلم ، وجمال السلوك والخلق ، وتمام السمت والمظهر ، وكمال التواضع والأمانة ؛ فأحبه الناس حبا عظيما ، وشاع ذكره في الآفاق لحسن خلقه ، وعظيم تدبيره وأمانته وإخلاصه . وكان في جملة من ورد مصر للميرة إخوة يوسف ؛ إذ أمرهم أبوهم بذلك . لا جرم أن كل شيء من الله بتقديره وتدبيره . فما تسير الأمور أو تمضي عجلة الزمان إلا بمشيئة الله وحكمته وعظيم تدبيره .
ومن جملة قصة يوسف بدءا بإلقائه في الجب حتى صار في قمة العلياء والكرامة والإعزاز وما تخلل ذلك من كيد وأحزان ودموع وبلاء ، كل ذلك بتقدير الله وحكمته ومشيئته .
أخذ إخوة يوسف معهم بضاعة ليعتاضوا بها طعاما وكانوا عشرة نفر . واستبقى أبوهم يعقوب أخاهم الصغير عنده ، وهو بنيامين شقيق يوسف ، وكان أحبهم إلى أبيه بعد يوسف { فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } أي عرفهم يوسف بنباهته وعظيم فطانته من حيث لا يعرفونه هم . ولا عجب في ذلك فقد فارقهم يوسف وهو طفل في الثانية عشرة على الراجح ، واستمر غيابه عنهم أربعين سنة . وعقب هذه المدة الطويلة تتغير في الشخص ملامحه الظاهرة . فبعد أن يكون أمرد الوجه يصير ذا شعر ولحية ، وبعد سواد الشعر في رأسه ووجهه يصبح بعد هذه السنين ذا كبر وشيبة . لا جرم أن ينكره من غاب عنه مثل هذه المدة الطويلة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.