الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ} (49)

قوله تعالى : " وترى المجرمين " وهم المشركون . " يومئذ " أي يوم القيامة . " مقرنين " أي مشدودين " في الأصفاد " وهي الأغلال والقيود ، وأحدها صفد وصفد . ويقال : صفدته صفدا أي قيدته والاسم الصفد ، فإذا أردت التكثير .

قلت : صفدته تصفيدا ، قال عمرو بن كلثوم :

فآبُوا بالنِّهَابِ وبالسَّبَايَا *** وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا

أي مقيدينا . وقال حسان :

من كل مأسورٍ يُشَدُّ صِفَادُهُ *** صَقْرٍ إذا لاقى الكريهةَ حَامِ

أي غلُّهُ ، وأصفدته إصفادا أعطيته . وقيل : صفدته وأصفدته جاريان في القيد والإعطاء جميعا ، قال النابغة{[9584]} :

فلم أُعَرِّضْ أبيتَ اللعنَ بالصَّفَدِ

فالصفد العطاء ؛ لأنه يقيد ويعبد ، قال أبو الطيب :

وقَيَّدْتُ نفسي في ذَرَاكَ{[9585]} مَحَبَّةً*** ومن وَجَدَ الإحسانَ قَيْداً تَقَيَّدَا

قيل : يقرن كل كافر مع شيطان في غل ، بيانه قوله : " احشروا الذين ظلموا وأزواجهم{[9586]} " [ الصافات : 22 ] يعني قرناءهم من الشياطين . وقيل : إنهم الكفار يجمعون في الأصفاد كما اجتمعوا في الدنيا على المعاصي .


[9584]:معنى أبيت اللعن: أي أبيت أن تأتي شيئا تلعن عليه، وصدر البيت: هذا الثناء فإن تسمع لقائله
[9585]:الذرا (بالفتح) : الدار ونواحيها، وكل ما اشترت به، تقول: أنا في ذرا فلان أي في كنفه وستره.
[9586]:راجع ج 15 ص 72.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ} (49)

ولما ذكر بروزهم له{[45319]} ذكر حالهم في ذلك البروز فقال : { وترى المجرمين } أي{[45320]} وتراهم ، ولكنه{[45321]} أظهر{[45322]} لتعدد صفاتهم التي أوجبت لهم الخزي ؛ والإجرام : قطع ما يجوز من العمل بفعل ما لا يجوز { يومئذ } أي إذ{[45323]} كانت هذه الأمور العظام { مقرنين } أي مجموعاً{[45324]} كل منهم إلى نظيره ، أو مجموعة أيديهم إلى أعناقهم جمعاً فيه شدة وضيق { في الأصفاد * } أي القيود ، والمراد هنا الأغلال ، أي السلاسل التي تجمع الأيدي فيها{[45325]} إلى الأعناق ويقرنون{[45326]} فيها مع أشكالهم ؛


[45319]:زيد من م.
[45320]:زيد من م ومد.
[45321]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لكنهم.
[45322]:زيد من ظ و م ومد.
[45323]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: إذا.
[45324]:في ظ: مجموعها.
[45325]:زيد من ظ و م ومد.
[45326]:من م، وفي الأصل: يقولون، وفي ظ: يقومون، وفي مد: يقربون.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ} (49)

قوله تعالى : { وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد ( 49 ) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ( 50 ) ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب ( 51 ) } ( مقرنين ) ، أي قرن بعضهم مع بعض من قرن الشيء بالشيء أي وصله به ، والأصفاد تعني القيود ، واحدها صفد ، بالتحريك . وصَفَده ؛ أي شده واوثقه . والصِّفاد ما يوثق به الأسير من قيل وغل{[2426]} .

وذلك كائن في يوم القيامة حيث الحساب والجزاء واشتداد الهول والجزع ، وحيث التبدل المذهل الذي يغشى الأرض والسماوات ؛ فإنه يؤتى بالمجرمين وهم الطغاة والخاسرون الذين عتوا عن أمر الله عتوا كبيرا وصدوا الناس عن دين الله ، وأشاعوا في الدنيا الكفر والضلال والفساد بكل صوره وألوانه . يؤتى بهم يوم القيامة ( مقرنين في الأصفاد ) أي يوثق بعضهم ببعض ؛ فهم لكونهم متجانسين متشابهين في الكفر والعصيان ؛ فإنهم يُضم بعضهم إلى بعض مقرنين في القيود والأغلال . وقيل : قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد وهي الأغلال والقيود أو الوثاق والسلاسل .


[2426]:- مختار الصحاح ص 532.