قوله تعالى : " هذا بلاغ للناس " أي هذا الذي أنزلنا إليك بلاغ ، أي تبليغ وعظة . " ولينذروا به " أي ليخوفوا عقاب الله عز وجل ، وقرئ . " ولينذروا " بفتح الياء والذال ، يقال : نذرت بالشيء أنذر إذا علمت به فاستعددت له ، ولم يستعملوا منه مصدرا كما لم يستعملوا من عسى وليس ، وكأنهم استغنوا بأن والفعل كقولك : سرني أن نذرت بالشيء . " وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب " أي وليعلموا وحدانية الله بما أقام من الحجج والبراهين . " وليذكر أولو الألباب " أي وليتعظ أصحاب العقول . وهذه اللامات في " ولينذروا " " وليعلموا " " وليذكر " متعلقة بمحذوف ، التقدير : ولذلك أنزلناه . وروي يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وسئل بعضهم هل لكتاب الله عنوان ؟ فقال : نعم ، قيل : وأين هو ؟ قال : قوله تعالى : " هذا بلاغ للناس ولينذروا به " إلى آخرها . تم تفسير سورة إبراهيم عليه السلام والحمد لله .
ولما اشتملت هذه السورة على{[45347]} ما{[45348]} قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم التي أبكمت البلغاء ، وأخرست الفصحاء ، وبهرت العقول ، ترجمها سبحانه بما يصلح عنواناً لجميع القرآن فقال{[45349]} : { هذا{[45350]} } أي الكتاب الذي{[45351]} يخرج الناس{[45352]} من الظلمات إلى النور { بلاغ } أي كافٍ{[45353]} غاية الكفاية في الإيصال { للناس } ليصلوا به إلى الله بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم ، فإن مادة " بلغ{[45354]} " بأي ترتيب كان - تدور على الوصول ، وتارة تلزمها القوة وتارة{[45355]} الإعياء الناشىء عن الضعف :
بلغ المكان بلوغاً : وصل إليه ؛ وبُلغ الرجل -{[45356]} كعني : جهد{[45357]} ، والبليغ : الفصيح يبلغ{[45358]} بعبارته كنه ضميره ، والبلاغ - كسحاب : الكفاية ، لأنها توصل إلى القصد ، وبالغ مبالغة - إذا اجتهد ولم يقصر ، وتبلغت{[45359]} به العلة : اشتدت .
والغلباء{[45360]} : الحديقة المتكاثفة ، ومن القبائل : العزيزة الممتنعة ، والأغلب : الأسد .
ولغب : أعيا - لاجتهاده في البلوغ ، واللغب : ما بين الثنايا من اللحم ، واللغب - ككتف : الكلام الفاسد - يرجع إلى الإعياء ، وكذا الضعيف الأحمق ، والسهم الذي لم يحسن بريه{[45361]} كاللغاب - بالضم ، والتلغب{[45362]} : طول الطرد .
والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد ، وبغل تبغيلاً : بلّد وأعيا ، والإبل : مشت{[45363]} بين الهملجة والعنق .
ولما كان متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن{[45364]} البشارة ، عطف عليه النذارة بانياً للمفعول ، لأن النافع مطلق النذارة ، وكل أحد متأهل لأن يكون واعظاً به مقبولاً ، لأن من سمعه فكأنما{[45365]} سمعه من الله لتميزه بإعجازه عن كل كلام ، فقال : { ولينذروا } أي من أي منذر كان فيقوم{[45366]} عليهم الحجة { به } فيحذروا عقاب الله فيتخلوا{[45367]} عن الدنايا .
{[45368]} ولما أشار إلى جميع{[45369]} الفروع فعلاً وتركاً ، مع إشارته إلى أصل التوحيد لأنه أول الوصول ، صرح به على حدته لجلالته في قوله : { وليعلموا أنما هو } أي الإله { إله واحد } فيكون همهم واحداً .
ولما تمت الإشارة إلى الدين أصلاً وفرعاً ، نبه على المواعظ والأمثال بتذكر ما له من الآيات والمصنوعات ، والبطش بمن خالفه من الأمم ، وأشار إلى أن{[45370]} أدلة الوحدانية والحشر لا تحتاج{[45371]} إلى كبير{[45372]} تذكر ، لأنها في غاية الوضوح ولا سيما بعد تنبيه الرسل ، فأدغم تاء التفعل ، فقال : { وليذكر } أي{[45373]} منهم { أولوا الألباب * } أي{[45374]} الصافية ، والعقول الوافية ، فيفتحوا عيون بصائرهم فيعلموا أنه لا وصول{[45375]} لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض المقاربة . ويعلموا - بما ركز{[45376]} في طبائعهم وجرى من عوائدهم - أن أقل حكامهم لا يرضى بأن{[45377]} يدع رعيته يتهارجون لا ينصف بينهم ولا يجزى أحداً منهم بما كسب{[45378]} ، فيكون ذلك منه{[45379]} انسلاخاً من رتبة الحكم التي هي خاصته{[45380]} ، فكيف يدعون ذلك في أحكم الحاكمين ، فقد{[45381]} تكفلت{[45382]} هذه الآية على وجازتها بجميع علم الشريعة أصولاً وفروعاً ، وعلم الحقيقة نهايات وشروعاً ، على سبيل الإجمال{[45383]} وقد انطبق آخر السورة على{[45384]} أولها ، لأن هذا عين الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب - والله{[45385]} سبحانه وتعالى{[45386]} الموفق{[45387]} للصواب وحسن المآب{[45388]} .
قوله تعالى : { هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب } أي هذا القرآن بلاغ لجميع الخلق كيما يتعظوا به ويستدلوا بما فيه من الدلالات والحجج على أنه ليس من إله غير الله ؛ فهو الله الفرد الأحد له كامل الألوهية ومطلق الربوبية ، وهو المدبر للكون والعالمين ، ليس له في ذلك معين ولا مجير ولا نديد ( وليذكر أولوا الألباب ) أي وليذكر ويتعظ أهل الاعتبار والازدجار من أولي العقول المستنيرة ، والفطانة الكبيرة دون غيرهم من الصّم العمي الذين لا يستوقفهم منطق سليم ، ولا يستجيبون لحق أو يقين{[2428]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.