الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ} (46)

قوله تعالى : " وقد مكروا مكرهم " أي بالشرك بالله وتكذيب الرسل والمعاندة ، عن ابن عباس وغيره . " وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " " إن " بمعنى " ما " أي ما كان مكرهم لتزول منه الجبال لضعفه ووهنه ، " وإن " بمعنى " ما " في القرآن في مواضع خمسة : أحدها هذا . الثاني : " فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك{[9567]} " [ يونس : 94 ] . الثالث : " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا{[9568]} " [ الأنبياء : 17 ] أي ما كنا . الرابع : " قل إن كان للرحمن ولد " {[9569]} [ الزخرف : 81 ] . الخامس : " ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه{[9570]} " [ الأحقاف : 26 ] . وقرأ الجماعة " وإن كان " بالنون . وقرأ عمرو بن علي وابن مسعود وأبي " وإن كاد " بالدال . والعامة على كسر اللام في " لتزول " على أنها لام الجحود وفتح اللام الثانية نصيبا . وقرأ بن محيصن وابن جريج والكسائي " لتزول " بفتح اللام الأول على أنها لام الابتداء ورفع الثانية " وإن " مخففة من الثقيلة ، ومعنى هذه القراءة استعظام مكرهم ، أي ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه ، قال الطبري : الاختيار القراءة الأولى ؛ لأنها لو كانت زالت لم تكن ثابتة ، قال أبو بكر الأنباري : ولا حجة على مصحف المسلمين في الحديث الذي حدثناه أحمد بن الحسين : حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن دانيل{[9571]} قال : سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : إن جبارا من الجبابرة قال : لا أنتهي حتى أعلم من في السماوات ، فعمد إلى فراخ نُسُور ، فأمر أن تطعم اللحم ، حتى اشتدت وعضلت واستعلجت{[9572]} ، أمر بأن يتخذ تابوت يسع فيه رجلين ، وأن يجعل فيه عصا في رأسها لحم شديد حمرته ، وأن يستوثق من أرجل النسور بالأوتاد ، وتشد إلى قوائم التابوت ، ثم جلس هو وصاحب له من التابوت وأثار النسور ، فلما رأت اللحم طلبته ، فجعلت ترفع التابوت حتى بلغت به ما شاء الله ، فقال الجبار لصاحبه : افتح الباب فانظر ما ترى ؟ فقال : أرى الجبال كأنها ذباب ، فقال : أغلق الباب ، ثم صعدت بالتابوت ما شاء الله أن تصعد ، فقال الجبار لصاحبه : افتح الباب فانظر ما ترى ؟ فقال : ما أرى إلا السماء وما تزداد منا إلا بعدا ، فقال : نَكِّسِ العصا فنكسها ، فانقضت النسور . فلما وقع التابوت على الأرض سمعت له هَدَّةً كادت الجبال تزول عن مراتبها{[9573]} منها ، قال : فسمعت عليا رضي الله عنه يقرأ " وإن كان مكرهم لتزول " بفتح اللام الأولى من " لتزول " وضم الثانية . وقد ذكر الثعلبي هذا الخبر بمعناه ، وأن الجبار هو النمرود الذي حاج إبراهيم في ربه ، وقال عكرمة : كان معه في التابوت غلام أمرد ، وقد حمل القوس والنبل فرمى بهما فعاد إليه ملطخا بالدماء وقال : كُفيتُ نفسكَ{[9574]} إلهَ السماء . قال عكرمة : تلطخ بدم سمكة من السماء ، قذفت نفسها إليه من بحر في الهواء معلق . وقيل : طائر من الطير أصابه السهم ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن ينكس اللحم ، فهبطت النسور بالتابوت ، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور ففزعت ، وظنت أنه قد حدث بها حدث من السماء ، وأن الساعة قد قامت ، فذلك قوله : " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " . قال القشيري : وهذا جائز بتقدير خلق الحياة في الجبال . وذكر الماوردي عن ابن عباس : أن النمرود بن كنعان بنى الصرح في قرية الرس من سواد الكوفة ، وجعل طول خمسة آلاف ذراع وخمسين ذراعا ، وعرضه ثلاثة آلاف ذراع وخمسة وعشرين ذراعا ، وصعد منه مع النسور ، فلما علم أنه لا سبيل له إلى السماء اتخذه حصنا ، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه . فأتى الله بنيانه من القواعد ، فتداعى الصرح عليهم فهلكوا جميعا ، فهذا معنى " وقد مكروا مكرهم " وفي الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان : أحدهما : جبال الأرض . الثاني : الإسلام والقرآن ؛ لأنه لثبوته ورسوخه كالجبال . وقال القشيري : " وعند الله مكرهم " أي هو عالم بذلك فيجازيهم أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف . " وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال " بكسر اللام ، أي ما كان مكرهم مكرا يكون له أثر وخطر عند الله تعالى ، فالجبال مثل لأمر النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : " وإن كان مكرهم " في تقديرهم " لتزول منه الجبال " وتؤثر في إبطال الإسلام . وقرئ " لتزول منه الجبال " بفتح اللام الأولى وضم الثانية ، أي كان مكرا عظيما تزول منه الجبال ، ولكن الله حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو كقوله تعالى : " ومكروا مكرا كبارا{[9575]} " [ نوح : 22 ] والجبال لا تزول ولكن العبارة عن تعظيم الشيء هكذا تكون .


[9567]:راجع ج 8 ص 382.
[9568]:راجع ج 11 ص 275.
[9569]:راجع ج 16 ص 119 و ص 208.
[9570]:راجع ج 16 ص 119 و ص 208.
[9571]:هذا السند في كل الأصول ولم نقف عليه رغم البحث.
[9572]:استعلجت: غلظت.
[9573]:تعقب هذه القصة ابن عطية في تفسيره بعد أن حكاها عن الطبري بقوله: "وذلك عندي لا يصح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفي هذه القصة ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن يغرر أحد بنفسه في مثل هذا".
[9574]:عبارة الثعلبي في "قصص الأنبياء": (كفيت شغل إله السماء).
[9575]:راجع ج 18 ص 306.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ} (46)

{ و } الحال أنه بان لكم أنهم حين فعلنا بهم ما فعلنا { قد مكروا مكرهم } أي{[45289]} الشديد العظيم الذي استفرغوا{[45290]} فيه جهدهم{[45291]} بحيث لم يبق لهم مكر غيره في تأييد{[45292]} الكفر وإبطال الحق ؛ والمكر : الفتل{[45293]} إلى الضرر على وجه الحيلة{[45294]} { و } الحال أنه { عند الله } أي المحيط علماً وقدرة { مكرهم } هو وحده{[45295]} به عالم{[45296]} من جميع وجوهه{[45297]} وإن دق ، وعلى إبطاله قادر وإن جل { وإن كان مكرهم } من القوة والضخامة { لتزول } أي لأجل أن تزول{[45298]} { منه الجبال * } والتقدير على قراءة فتح اللام الأولى ورفع الثانية{[45299]} : وإن كان بحيث إنه تزول منه الجبال ، والمعنيان متقاربان ، وقيل : " إن " نافية ، واللام لتأكيد النفي ؛{[45300]} والجبال : الآيات والشرائع ، بل هي أثبت{[45301]} .


[45289]:في ظ: من.
[45290]:في مد: استقرتموا.
[45291]:في ظ: جهدكم.
[45292]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: تأكيد.
[45293]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: القتل.
[45294]:من م ومد، وفي الأصل: العجلة، وفي ظ: الخيلة.
[45295]:سقط من م.
[45296]:سقط ما بين الرقمين من م.
[45297]:سقط ما بين الرقمين من م.
[45298]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: تتزول.
[45299]:راجع البحر 5/334.
[45300]:جاء ما بين الرقمين مطموسا في م.
[45301]:جاء ما بين الرقمين مطموسا في م.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ} (46)

قوله : ( وقد مكروا مكرهم ) لقد مكر هؤلاء الظالمون الجاحدون مكرهم الفظيع الذي استفرغوا فيه كل ما لديهم من جهود وطاقات وقدرات مالية وثقافية وفنية وإعلامية وسياسية ونفسية وعسكرية وغير ذلك من أساليب الخداع والشر والافتراء والكذب والترويع والإغراء والتضليل- كل ذلك للصد عن سبيل الله وهو دينه وشرعه ، ولإشاعة الكفر والضلال والفساد في الأرض ولتدمير الإسلام والمسلمين في العالم كيلا يبقى لمنهج الإسلام سلطان ولا عزة ولا شوكة . ولكي يتبدد المسلمون فينقلبوا إلى أشتات من الجماعات المبعثرة الممزقة المستضعفة ؛ وذلك أقصى ما يبتغيه الظالمون والطغاة والمجرمون من غايات في هذا العالم .

قوله : ( وعند الله مكرهم ) أي مكتوب عند الله مكرهم ؛ فهو مجازيهم عليه بمكر أعظم من مكرهم . أو عند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم من حيث لا يحتسبون . قوله : ( وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) يقرأ ( لتزول ) على قراءتين الأولى : فتح اللام الأولى ورفع اللام الأخرى ، فتكون اللام للتأكيد ، دخلت للفرق بين إن المخففة وبين إن النافية بمعنى ما ، فيكون المعنى : وإنه كان مكرهم لتزولُ منه الجبال . وذلك على سبيل التعظيم والتهويل .

الثانية : كسر اللام الأولى وفتح الأخرى . فتكون اللام لام الجحود ، وإن ، في الآية بمعنى ما ، النافية . فيكون المعنى : وما كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال . وذلك على سبيل التصغير والتحقير لمكرهم{[2421]} . و ( كان ) ، ههنا تامة بمعنى وقع . والمراد بالجبال ، آيات الله البينات ودينه القويم الحكيم ؛ فإنه في رسوخه واستقراره وعظيم شأنه كالجبال الرواسي الشم التي لا تميد ولا تتزعزع{[2422]} .


[2421]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 61.
[2422]:- الكشاف جـ2 ص 383 وتفسير الرازي جـ 19 ص 147 والبيضاوي ص 343.