قوله تعالى : " وإن من قرية إلا نحن مهلكوها " أي مخربوها . " قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا " قال مقاتل : أما الصالحة فبالموت ، وأما الطالحة فبالعذاب . وقال ابن مسعود : إذا ظهر الزنى والربا في قرية أذن الله في هلاكهم . فقيل : المعنى وإن من قرية ظالمة ، يقوي ذلك قوله : " وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون{[10288]} " [ القصص : 59 ] . أي فليتق المشركون ، فإنه ما من قرية كافرة إلا سيحل بها العذاب . " كان ذلك في الكتاب " أي في اللوح . " مسطورا " أي مكتوبا . والسطر : الخط والكتابة وهو في الأصل مصدر . والسطر( بالتحريك ) ، مثله . قال جرير :
من شاء بايعته مالي وخُلْعَتَه *** ما تُكْمِل التَّيْم{[10289]} في ديوانهم سطرا
الخلعة ( بضم الخاء ) : خيار المال . والسطر جمع أسطار ، مثل سبب وأسباب ، ثم يجمع على أساطير . وجمع السطر أسطر وسطور ، مثل أفلس وفلوس . والكتاب هنا يراد به اللوح المحفوظ .
ولما كان المعنى : فاحذرونا فإنا أبدنا الأمم السالفة ودمرنا القرى المشيدة ، عطف عليه قوله تعالى : { وإن } أي وما ؛ وأعرق في النفي فقال تعالى : { من قرية } من القرى هذه التي أنتم بها وغيرها { إلا نحن } أي بما لنا من العظمة { مهلكوها } بنوع من الهلاك ، لما هم عليه من الكفر أو العصيان ، وعن مقاتل أنها عامة للصالحة بالموت والطالحة بالعذاب .
ولما كان الممكن ليس له من ذاته إلا العدم ، وذلك مستغرق لزمان القبل ، حذف الجار فقال تعالى : { قبل يوم القيامة } الذي أنتم به مكذبون ، كما فعلنا في بيت المقدس في المرتين المذكورتين أول السورة لإفساد أهلها فاحذروا مثل ذلك { أو معذبوها } أي القرية بعذاب أهلها { عذاباً شديداَ } مع بقائها .
ولما أكد ذلك بالاسمية ، زاده تأكيداً في جواب من كأنه قال : هل في ذلك من ثنيا لأن مثله لا يكاد يصدق ؟ فقال تعالى : { كان ذلك } أي الأمر العظيم { في الكتاب } الذي عندنا { مسطوراً * } على وجه الخبر ، والأخبار لا تنسخ ، فلو لم يكن حشر كان أمرنا جديراً بأن يمتثل حذراً من سطواتنا ، ولا بد من أن نخيفكم بعد طول أمنكم ونهلك كثيراً من أعزائكم على يد هذا الرجل الواحد الذي أنتم كلكم متمالئون عليه مستهينون بأمره ، مع أنا أرسلناه لعزكم وعلو ذكركم ، ولا بد أن ندخله إلى بلدكم هذا بجنود أولي بأس شديد ، لإفسادكم فيه واستهانتكم به كما فعلنا ببني إسرائيل حين أفسدوا في مسجدهم كما تقدم ؛ قال الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني في كتاب الفتن : حدثنا عبد بن أحمد بن محمد الهروي في كتابه ثنا عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين ثنا محمد بن هارون الحضرمي ثنا علي بن عبد الله التميمي ثنا عبد المنعم بن إدريس قال : أخبرنا أبي عن وهب بن منبه قال : الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب إرمينية ، وإرمينية آمنة من الخراب حتى تخرب مصر ، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الكوفة ، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة ، فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت القسطنطينية على يدي رجل من بني هاشم ، وخراب الأندلس من قبل الزنج ، وخراب إفريقية من قبل الأندلس ، وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها ، وخراب العراق من قبل الجوع والسيف ، وخراب الكوفة من قبل عدو من ورائهم يحقرهم حتى لا يستطيعوا أن يشربوا من الفرات قطرة ، وخراب البصرة من قبل العراق ، وخراب الأبلة من قبل عدو يحفزهم مرة براً ومرة بحراً ، وخراب الريّ من قبل الديلم ، وخراب خراسان من قبل تبت ، وخراب تبت من قبل الصين ، وخراب الصين من قبل الهند ، وخراب اليمن من قبل الجراد والسلطان ، وخراب مكة من قبل الحبشة ، وخراب المدينة من قبل الجوع ؛ حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا علي بن محمد بن نصير حدثنا محمد بن خلف أخبرنا سالم بن جنادة أخبرنا أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " آخر قرية من قرى الإسلام خراباً المدينة " انتهى . وقد أخرجه الترمذي من هذا الوجه .
قوله تعالى : { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ( 58 ) وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ( 59 ) } .
( وإن ) ، حرف نفي بمعنى ما . و ( من ) ، تفيد الاستغراق . وهذا إخبار من الله سبحانه بأنه ما من أهل قرية من قرى الكافرين الضالين إلا سيهلكهم الله إما بموت ، وإما بعذابهم استئصالا ، وذلك بمختلف وجوه العذاب والبلاء . وقيل : المراد سائر الأمم من مؤمنين ومجرمين ؛ فالمؤمنون يهلكهم الله بالموت وهو ما لا مندوحة عنه . وأما المجرمون فيهلكهم بالعذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة . ذلك أن ينتقم من المجرمين الأشرار ومن سائر الطغاة والعصاة بما يصيبهم من البلاء بتعدد أشكاله وصوره كالأسقام والزلازل والقحط والحروب والويلات الاجتماعية والعلل الشخصية ، الفردية والجماعية . كل ذلك يصيب الله به عباده التائهين والناكبين عن دينه وصراطه المستقيم في هذه الدنيا ( قبل يوم القيامة ) وفي هذا اليوم الحافل الموعود يشتد الهول والبلاء ، وتحيط بالمجرمين النار فلا يجدون عنها ملاذا ولا موئلا ( كان ذلك في الكتاب مسطورا ) ( الكتاب ) ، اللوح المحفوظ ، وفيه علم الأولين والآخرين . وما من شيء من أخبار الدنيا والآخرة إلا هو مسطور فيه أي مكتوب . من السطر ، بسكون الطاء ، وهو الخط والكتابة وجمعه أسطر وسطور . واستطر ؛ أي كتب{[2702]} . والمعنى : أن هذا الإهلاك أو التعذيب بالاستئصال مكتوب في اللوح المحفوظ .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.