قوله تعالى : " أولئك الذين يدعون " " أولئك " مبتدأ " الذين " صفة " أولئك " وضمير الصلة محذوف ، أي يدعونهم . يعني أولئك المدعوون . و " يبتغون " خبر ، أو يكون حالا ، و " الذين يدعون " خبر ، أي يدعون إليه عبادا إلى عبادته . وقرأ ابن مسعود " تدعون " بالتاء على الخطاب . الباقون بالياء على الخبر . ولا خلاف في " يبتغون " أنه بالياء . وفي صحيح مسلم من كتاب التفسير عن عبد الله بن مسعود في قوله عز وجل : " أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة " قال : نفر من الجن أسلموا وكانوا يعبدون ، فبقي الذين كانوا يعبدون على عبادتهم وقد أسلم النفر من الجن . في رواية قال : نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون والإنس{[10287]} الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون ، فنزلت " أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة " . وعنه أيضا أنهم الملائكة كانت تعبدهم قبائل من العرب ، ذكره الماوردي . وقال ابن عباس ومجاهد : عزير وعيسى . و " يبتغون " يطلبون من الله الزلفة والقربة ، ويتضرعون إلى الله تعالى في طلب الجنة ، وهي الوسيلة . أعلمهم الله تعالى أن المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم . والهاء والميم في " ربهم " تعود على العابدين أو على المعبودين أو عليهم جميعا . وأما " يدعون " فعلى العابدين . " ويبتغون " على المعبودين . " أيهم أقرب " ابتداء وخبر . ويجوز أن يكون " أيهم أقرب " بدلا من الضمير في " يبتغون " ، والمعنى يبتغي أيهم أقرب الوسيلة إلى الله . " ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا " أي مخوفا لا أمان لأحد منه ، فينبغي أن يحذر منه ويخاف . وقال سهل بن عبدالله : الرجاء والخوف زمانان على الإنسان ، فإذا استويا استقامت أحواله ، وإن رجح أحدهما بطل الآخر .
ولما بين أنه لا ضر لهم ولا نفع ، بين أنهم يتسابقون إلى القرب إليه رجاء أن ينفعهم وخوف أن يضرهم فقال تعالى : { أولئك } أي الذين أعلوا مراتبهم بالإقبال على طاعة الله ، وكان المشركون يعلون مراتبهم بتألههم ، وعبر عن ذلك واصفاً للمبتدإ بقوله تعالى : { الذين يدعون } أي يدعوهم الكفار ويتألهونهم ؛ ثم أخبر عن المبتدإ بقوله تعالى : { يبتغون } أي يطلبون طلباً عظيماً { إلى ربهم } المحسن إليهم وحده { الوسيلة } أي المنزلة والدرجة والقربة بالأعمال الصالحة { أيهم أقرب } أي يتسابقون بالأعمال مسابقة من يطلب كل منهم أن يكون إليه أقرب ولديه أفضل { ويرجون رحمته } رغبة فيما عنده { ويخافون عذابه } تعظيماً لجنابه ، المكلف منهم كالملائكة والمسيح وعزير بالفعل ، وغيرهم كالأصنام بالقوة من حيث إنه قادر على أن يخلق فيها قوة الإدراك للطاعة والعذاب فتكون كذلك فالعابدون لهم أجدر بأن يعبدوه ويبتغوا إليه الوسيلة ؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله رضي الله عنه { إلى ربهم الوسيلة } قال : كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم . ثم علل خوفهم بأمر عام فقال تعالى : { إن عذاب ربك } أي المحسن إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمتك { كان } أي كوناً ملازماً له { محذوراً * } أي جديراً بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ونبي مرسل فضلاً عن غيرهم ، لما شوهد من إهلاكه للقرون ومن صنائعه العظيمة .
قوله : ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) سبق إعرابه ، وقد ذكر أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون . والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم فنزلت هذه الآية . والمعنى : أن أولئك الذين تعبدونهم ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ) أي يطلبون من الله الزلفة والقربة وهم يتضرعون إلى الله بالعبادة والطاعة ( أيهم أقرب ) ( أيهم ) ، بدل من واو و ( يبتغون ) . أي يبتغي من هو أقرب منهم الوسيلة إلى الله ( ويرجون رحمته ويخافون عذابه ) أي يرومون من الله الرحمة بعبادتهم إياه وطاعتهم له . ويخافون عذابه كما يخاف غيرهم من عباد الله ، فكيف تزعمون أنهم آلهة .
قوله : ( إن عذاب ربك كان محذورا ) عذاب الله وجيع وواصب . وهو لا تطيقه الكائنات حتى الرواسي الشامخات لو وضعت فيه لانماعت ؛ وذلك لفظاعة لهيبه وشدة احتراره ؛ فهو بذلك حقيق أن يحذره كل أحد{[2701]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.