قوله تعالى : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } تقدم . والحمد لله تعالى . { وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } جاء في الحديث " أن العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم " . وخرج البخاري والنسائي عن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله " . قالوا : يا رسول الله ، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس منكم من أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله . مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت ) ، لفظ النسائي . ولفظ البخاري : قال عبدالله : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله " قالوا : يا رسول الله ، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه ، قال : " فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر " . وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر ببقيع الغرقد{[1083]} فقال : السلام عليكم أهل القبور ، أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن ، ودوركم قد سكنت ، وأموالكم قد قسمت . فأجابه هاتف : يا ابن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه ، وما أنفقناه فقد ربحناه ، وما خلفناه فقد خسرناه .
ولقد أحسن القائل : قدم لنفسك قبل موتك صالحا *** واعمل فليس إلى الخلود سبيل
وقال آخر : قدم لنفسك توبة مرجوة *** قبل الممات وقبل حبس الألسن
وقال آخر : ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا *** والقوم حولك يضحكون سرورا
فاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا *** في يوم موتك ضاحكا مسرورا
وقال آخر : سابق إلى الخير وبادر به *** فإنما خلفك ما تعلم
وقدم الخير فكل امرئ *** على الذي قدمه يقد
وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية :
إسعد بمالك في حياتك *** إنما يبقى وراءك مصلح أو مفسدُ
وإذا تركت لمفسد لم يبقه *** وأخو الصلاح قليله يتزيَّدُ
وإن استطعت فكن لنفسك وارثا *** إن المورث نفسه لمسدد
{ إن الله بما تعملون بصير } تقدم{[1084]} .
ولما أمرهم بالثقة{[4416]} بهذا الكتاب ما نسخ منه وما لم ينسخ وأن لا يعوقهم عنه طعن الطاعنين ولا حسد الحاسدين وأمرهم{[4417]} {[4418]}بالإعراض عن الغير أمرهم بالإقبال على إصلاح النفس والإحسان إلى الغير{[4419]} مما{[4420]} اتصف به المهتدون في قوله تعالى :{ ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون }[ البقرة : 2 ] ولما كان المقصود من الصلاة قصر الهمة والنية على الحضرة الإلهية وتفريغ البال من جميع الشواغل علم أن التقدير بعد الختم بشمول القدرة فاعلموا ذلك {[4421]}وثقوا به{[4422]} { وأقيموا الصلاة } {[4423]}التي هي مع كونها{[4424]} سنبتليكم{[4425]} في قبلتها بالنسخ قوام الدين والمعينة على جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرب إليه { وآتوا الزكاة } التي هي قرينة الصلاة ، فمن فرق بينهما {[4426]}فقد نسخ{[4427]} ما أثبت الله فاستحق القتال{[4428]} ليرجع عما ارتكب من الضلال ، {[4429]}وهي{[4430]} من أعظم نفقات المؤمنين إحساناً إلى الخلائق إن كنتم مصلين بالحقيقة ، فإن المال بعض ما صرفت عنه الصلاة من أعراض الدنيا .
ولما كان قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا }[ البقرة : 104 ] وما بعده خطاباً للمؤمنين تحذيراً من كيد أعدائهم بالنهي عما يرديهم والأمر بما ينجيهم وختمه بهذه الآية فذلكة لذلك كله جميعاً لمعانيه وفتحها برأس العبادات البدنية والمالية وكانت " أل{[4431]} " مشيرة{[4432]} إلى الواجب من ذلك ختم الآية نفسها بالأمر العام الجامع فقال : { وما تقدموا لأنفسكم من خير } أي من الصلاة والزكاة وغيرهما فرضاً ونفلاً { تجدوه } وزاد{[4433]} ترغيباً فيه بقوله : { عند الله } أي الجامع لصفات الكمال . فهو يحفظه بما له من العلم والقدرة ويربيه{[4434]} بما له من الكرم والرحمة - إلى غير ذلك من أمور الفضل .
ولما كان الشيء قد يهمل لكونه صغيراً وقد لا يطلع عليه لكونه خفياً حقيراً قال مرغباً مرهباً : { إن الله }{[4435]} المحيط قدرة وعلماً{[4436]} { بما تعملون بصير } وأظهر الاسم في موضع الإضمار إشعاراً بالاستئناف للخير ليكون ختماً جامعاً . لأنه لو عاد على خصوص هذا الخطاب{[4437]} لكان " إنه " ، وذلك لأن تجديد الإظهار يقع{[4438]} بمعنى رد{[4439]} ختم الخطاب على إحاطة جملته{[4440]} - قاله الحرالي{[4441]} . والمعنى أنه لو أضمر لكان ربما أفهم تقيد{[4442]} علمه بحيثية ما تقدم من عمل الخير ؛ وعلى مثل هذا دل قول العلامة شمس الدين الغزي{[4443]} في أول شرحه لإيساغوجي{[4444]} : الغالب{[4445]} في المضمر إرادة المعنى الأول ، وأما حديث : إعادة{[4446]} الشيء معرفة{[4447]} .
فأصل يعدل عنه كثيراً للقرائن{[4448]} .
قوله : { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله } هذان ركنان عظيمان من أركان هذا الدين تنبه إليهما الآية الكريم وهما : أن تقام الصلاة خير قيام من تمام التنفيذ وكمال الأداء حتى تكتمل فيها الصورة وافية من التكبير والقراءة والقيام والركوع والسجود والقعود ، وحتى يتحقق فيها الوعي والمضمون من خشوع وطمأنينة وإحساس تام بالخضوع والانقياد والتذلل لله وحده .
وكذلك أن تؤدى الزكاة ، يدفعها من يملك المال والنصاب إلى الذين يستحقونها من متكففين وعالة وذوي عوز وغير ذلك من وجوه مبينة مشروعة تؤدى فيها الزكاة ، وهاتان الفريضتان تتقدمان فرائض الإسلام ، وتحتلان مكان الصدارة من حيث الأهمية ، وهما يأتيان في طليعة الأعمال الكريمة التي سيجدها العامل أمامه بعد الموت . وسوف لا يجد إذ ذاك غير ما قدمه من خير الأعمال والأقوال والنوايا ، وما عدا ذلك من شؤون الدنيا ليس إلا متاعا تتلذذ به النفس حال الحياة حتى إذا جاء الأجل المحتوم ، باتت هذه المخلفات والرواسب التي يستمتع به الوارثون .
وجاء في الحديث أن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " أيكم مال وارثة أحب إليه من ماله ؟ " قالوا : يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثة . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " ليس منكم من أحد إلا مال وارثة أحب إليه من ماله ، مالك ما قدمت ومال وارتك ما أخرت " .
وجاء في حديث آخر : " إن العبد إذا مات قال الناس : ما خلّف ، وقالت الملائكة : ما قدم " وهكذا يجد المرء ما قدمت يداه في دنياه من صالح القول والعمل ، يجد ذلك كله محتسبا له عند ربه من غير نسيان . والله سبحانه عالم بما صدر عن كل إنسان ، فلا تخفى عليه خافية ، ولا يغيب عن ملكوته من مثقال ذرة { إن الله بما تعملون بصير } {[113]} .