الأولى : قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها } ، " ننسها " عطف على " ننسخ " وحذفت الياء للجزم . ومن قرأ " ننسأها " حذف الضمة من الهمزة للجزم ، وسيأتي معناه . " نأت " جواب الشرط ، وهذه آية عظمى في الأحكام . وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك ، وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه ، فما كان هذا القرآن إلا من جهته ، ولهذا يناقض بعضه بعضا ، فأنزل الله : { وإذا بدلنا آية مكان آية{[1046]} } [ النحل : 101 ] وأنزل { ما ننسخ من آية } .
الثانية : معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة ، لا يستغني عن معرفته العلماء ، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء ، لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام ، ومعرفة الحلال من الحرام . روى أبو البختري قال : دخل علي رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوف الناس ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : رجل يذكر الناس ، فقال : ليس برجل يذكر الناس ! لكنه يقول أنا فلان ابن فلان فاعرفوني ، فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ ! فقال : لا ، قال : فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه . وفي رواية أخرى : أعلمت الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت ! . ومثله عن ابن عباس رضي الله عنهما .
الثالثة : النسخ في كلام العرب على وجهين :
[ أحدهما ] النقل ، كنقل كتاب من آخر . وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا ، أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وهذا لا مدخل له في هذه الآية ، ومنه قوله تعالى : { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون{[1047]} } [ الجاثية : 29 ] أي نأمر بنسخه وإثباته .
الثاني : الإبطال والإزالة ، وهو المقصود هنا ، وهو منقسم في اللغة على ضربين : أحدهما : إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه ، ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله ، وهو معنى قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها } . وفي صحيح مسلم : " لم تكن نبوة قط إلا تناسخت " ، أي تحولت من حال إلى حال ، يعني أمر الأمة . قال ابن فارس : النسخ نسخ الكتاب ، والنسخ : أن تزيل أمرا كان من قبل يعمل به ثم تنسخه بحادث غيره ، كالآية تنزل بأمر ثم ينسخ بأخرى . وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه ، يقال : انتسخت الشمس الظل ، والشيب الشباب . وتناسخ الورثة : أن تموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم ، وكذلك تناسخ الأزمنة والقرون .
الثاني : إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه ، كقولهم : نسخت الريح الأثر ، ومن هذا المعنى قوله تعالى{ فينسخ الله ما يلقي الشيطان{[1048]} } [ الحج : 52 ] أي يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله . وزعم أبو عبيد أن هذا النسخ الثاني قد كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب .
قلت : ومنه ما روي عن أبي بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة " الأحزاب " كانت تعدل سورة البقرة في الطول ، على ما يأتي مبينا هناك{[1049]} إن شاء الله تعالى . ومما يدل على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا عبدالله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن ابن شهاب قال : حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن فلم يقدر على شيء منها ، وقام آخر فلم يقدر على شيء منها ، فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال أحدهم : قمت الليلة يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء منها ، فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله ، فقام الآخر فقال : وأنا والله كذلك يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها مما نسخ الله البارحة " . وفي إحدى الروايات : وسعيد بن المسيب يسمع ما يحدث به أبو أمامة فلا ينكره .
الرابعة : أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه ، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة . وأنكرته أيضا طوائف من اليهود ، وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة : إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك ، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ، ما خلا الدم فلا تأكلوه . ثم حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان ، وبما كان آدم عليه السلام يزوج الأخ من الأخت ، وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره ، وبأن إبراهيم الخليل أمر بذبح ابنه ثم قال له : لا تذبحه ، وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ، ثم أمرهم برفع السيف عنهم ، وبأن نبوته غير متعبد بها قبل بعثه ، ثم تعبد بها بعد ذلك ، إلى غير ذلك . وليس هذا من باب البداء بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة ، وحكم إلى حكم ، لضرب من المصلحة ، إظهارا لحكمته وكمال مملكته . ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية ، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمآل الأمور ، وأما العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح ، كالطبيب المراعي أحوال العليل ، فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته ، لا إله إلا هو ، فخطابه يتبدل ، وعلمه وإرادته لا تتغير ، فإن ذلك محال في جهة الله تعالى .
وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئا واحدا ، ولذلك لم يجوزوه فضلوا . قال النحاس : والفرق بين النسخ والبداء أن النسخ تحويل العبادة من شيء إلى شيء قد كان حلالا فيحرم ، أو كان حراما فيحلل . وأما البداء فهو ترك ما عزم عليه ، كقولك : امض إلى فلان اليوم ، ثم تقول لا تمض إليه ، فيبدو لك العدول عن القول الأول ، وهذا يلحق البشر لنقصانهم . وكذلك إن قلت : ازرع كذا في هذه السنة ، ثم قلت : لا تفعل ، فهو البداء .
الخامسة : اعلم أن الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى ، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخا تجوزا ، إذ به يقع النسخ ، كما قد يتجوز فيسمى المحكوم فيه ناسخا ، فيقال : صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء ، فالمنسوخ هو المزال ، والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة ، وهو المكلف .
السادسة : اختلفت عبارات أئمتنا في حد الناسخ ، فالذي عليه الحذاق من أهل السنة أنه إزالة ما قد استقر من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخيا ، هكذا حده القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر ، وزادا : لولاه لكان السابق ثابتا ، فحافظا على معنى النسخ اللغوي ، إذ هو بمعنى الرفع والإزالة ، وتحرزا من الحكم العقلي ، وذكر الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيره ، وليخرج القياس والإجماع ، إذ لا يتصور النسخ فيهما ولا بهما . وقيدا بالتراخي ، لأنه لو اتصل به لكان بيانا لغاية الحكم لا ناسخا ، أو يكون آخر الكلام يرفع أوله ، كقولك : قم لا تقم .
السابعة : المنسوخ عند أئمتنا أهل السنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله ، كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدم زائل . والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مراده ، وأن الحسن صفة نفسية للحسن ، ومراد الله حسن ، وهذا قد أبطله علماؤنا في كتبهم .
الثامنة : اختلف علماؤنا في الأخبار هل يدخلها النسخ ، فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي ، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى . وقيل : إن الخبر إذا تضمن حكما شرعيا جاز نسخه ، كقوله تعالى : { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا } [ النحل : 67 ] . وهناك{[1050]} يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى .
التاسعة : التخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به ؛ لأن المخصص لم يتناول العموم قط ، ولو ثبت تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخا لا تخصيصا ، والمتقدمون يطلقون على التخصيص نسخا توسعا ومجازا .
العاشرة : اعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق ، ويرد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الإطلاق ، كقوله تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان{[1051]} } [ البقرة : 186 ] . فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داع على كل حال ، لكن قد جاء ما قيده في موضع آخر ، كقوله :{ فيكشف ما تدعون إليه إن شاء{[1052]} } [ الأنعام : 41 ] . فقد يظن من لا بصيرة عنده أن هذا من باب النسخ في الأخبار وليس كذلك ، بل هو من باب الإطلاق والتقييد . وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في موضعها إن شاء الله تعالى .
الحادية عشرة : قال علماؤنا رحمهم الله تعالى : جائز نسخ الأثقل إلى الأخف ، كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين{[1053]} . ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل ، كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان ، على ما يأتي بيانه في آية الصيام{[1054]} . وينسخ المثل بمثله ثقلا وخفة ، كالقبلة . وينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى . وينسخ القرآن بالقرآن . والسنة بالعبارة ، وهذه العبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي . وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد . وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة ، وذلك موجود في قوله عليه السلام : " لا وصية لوارث " . وهو ظاهر مسائل مالك . وأبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي ، والأول أصح ، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت في الأسماء . وأيضا فإن الجلد ساقط في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم ، ولا مسقط لذلك إلا السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا بين . والحذاق أيضا على أن السنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القبلة ، فإن الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى . وفي قوله تعالى : { فلا ترجعوهن إلى الكفار
{[1055]} } [ الممتحنة : 10 ] فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش . والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلا ، واختلفوا هل وقع شرعا ، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء ، على ما يأتي بيانه{[1056]} ، وأبى ذلك قوم . ولا يصح نسخ نص بقياس ، إذ من شروط القياس ألا يخالف نصا . وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ ، ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي ، فإذا وجدنا إجماعا يخالف نصا فيعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن ، وأن ذلك النص المخالف متروك العمل به ، وأن مقتضاه نسخ وبقي سنة يقرأ ويروى ، كما آية عدة السنة{[1057]} في القرآن تتلى ، فتأمل هذا فإنه نفيس ، ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة ، ومثله صدقة النجوى . وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم . وقد تنسخ التلاوة والحكم معا ، ومنه قول الصديق رضي الله عنه : كنا نقرأ " لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر " ومثله كثير .
والذي عليه الحذاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول ، كما يأتي بيانه في تحويل القبلة . والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله ، وهو موجود في قصة الذبيح ، وفي فرض خمسين صلاة قبل فعلها بخمس ، على ما يأتي بيانه في " الإسراء{[1058]} " و " الصافات{[1059]} " ، إن شاء الله تعالى .
الثانية عشرة : لمعرفة الناسخ طرق ، منها - أن يكون في اللفظ ما يدل عليه ، كقوله عليه السلام : " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا " ونحوه . ومنها - أن يذكر الراوي التاريخ ، مثل أن يقول : سمعت عام الخندق ، وكان المنسوخ معلوما قبله . أو يقول : نسخ حكم كذا بكذا .
ومنها - أن تجمع الأمة على حكم أنه منسوخ وأن ناسخة متقدم . وهذا الباب مبسوط في أصول الفقه ، نبهنا منه على ما فيه لمن اقتصر كفاية ، والله الموفق للهداية .
الثالثة عشرة : قرأ الجمهور { ما ننسخ } بفتح النون ، من نسخ ، وهو الظاهر المستعمل على معنى : ما نرفع من حكم آية ونبقي تلاوتها ، كما تقدم . ويحتمل أن يكون المعنى : ما نرفع من حكم آية وتلاوتها ، على ما ذكرناه . وقرأ ابن عامر " ننسخ " بضم النون ، من أنسخت الكتاب ، على معنى وجدته منسوخا . قال أبو حاتم : هو غلط : وقال الفارسي أبو علي : ليست لغة ، لأنه لا يقال : نسخ وأنسخ بمعنى ، إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخا ، كما تقول : أحمدت الرجل وأبخلته ، بمعنى وجدته محمودا وبخيلا . قال أبو علي : وليس نجده منسوخا إلا بأن ننسخه ، فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ . وقيل : " ما ننسخ " ما نجعل لك نسخه ، يقال : نسخت الكتاب إذا كتبته ، وانتسخته غيري إذا جعلت نسخه له . قال مكي : ولا يجوز أن تكون الهمزة للتعدي ؛ لأن المعنى يتغير ، ويصير المعنى ما ننسخك من آية يا محمد ، وإنساخه إياها إنزالها عليه ، فيصير المعنى ما ننزل عليك من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، فيؤول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتى بخير منها ، فيصير القرآن كله منسوخا وهذا لا يمكن ، لأنه لم ينسخ إلا اليسير من القرآن . فلما امتنع أن يكون أفعل وفعل بمعنى إذ لم يسمع ، وامتنع أن تكون الهمزة للتعدي لفساد المعنى ، لم يبق ممكن إلا أن يكون من باب أحمدته وأبخلته إذا وجدته محمودا أو بخيلا .
الرابعة عشرة : قوله تعالى : " أو ننسها " قرأ أبو عمرو وابن كثير بفتح النون والسين والهمز ، وبه قرأ عمر وابن عباس وعطاء ومجاهد وأبي بن كعب وعبيد بن عمير والنخعي وابن محيصن ، من التأخير ، أي نؤخر نسخ لفظها ، أي نتركه في آخر{[1060]} أم الكتاب فلا يكون{[1061]} . وهذا قول عطاء . وقال غير عطاء : معنى أو ننسأها : نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم ، من قولهم : نسأت هذا الأمر إذا أخرته ، ومن ذلك قولهم : بعته نسأ إذا أخرته . قال ابن فارس : ويقولون : نسأ الله في أجلك ، وأنسأ الله أجلك . وقد انتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا ، ونسأتهم أنا أخرتهم . فالمعنى نؤخر نزولها أو نسخها على ما ذكرنا . وقيل : نذهبها عنكم حتى لا تقرأ ولا تذكر . وقرأ الباقون " ننسها " بضم النون ، من النسيان الذي بمعنى الترك ، أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها ، قاله ابن عباس والسدي ، ومنه قوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم{[1062]} } [ التوبة : 67 ] أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب . واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم ، قال أبو عبيد : سمعت أبا نعيم القارئ يقول : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بقراءة أبي عمرو فلم يغير علي إلا حرفين ، قال : قرأت عليه { أرنا{[1063]} } [ البقرة : 128 ] فقال : أرنا ، فقال أبو عبيد : وأحسب الحرف الآخر " أو ننسأها " فقال : " أو ننسها " . وحكى الأزهري " ننسها " نأمر بتركها ، يقال : أنسيته الشيء أي أمرت بتركه ، ونسيته تركته ،
قال الشاعر : إن عليّ عُقْبَة أقضيها *** لست بناسيها ولا مُنْسِيها{[1064]}
أي ولا آمر بتركها . وقال الزجاج : إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك ، لا يقال : أنسى بمعنى ترك ، وما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس " أو ننسها " قال : نتركها لا نبدلها ، فلا يصح . ولعل ابن عباس قال : نتركها ، فلم يضبط . والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى " أو ننسها " نبح لكم تركها ، من نسي إذا ترك ، ثم تعديه . وقال أبو علي وغيره : ذلك متجه ، لأنه بمعنى نجعلك تتركها . وقيل : من النسيان على بابه الذي هو عدم الذكر ، على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها ، نقل بالهمز فتعدى الفعل إلى مفعولين : وهما النبي والهاء ، لكن اسم النبي محذوف .
الخامسة عشرة : قوله تعالى : { نأت بخير منها } لفظة " بخير " هنا صفة تفضيل ، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف ، وفي آجل إن كانت أثقل ، وبمثلها إن كانت مستوية . وقال مالك : محكمة مكان منسوخة . وقيل ليس المراد بأخير التفضيل ؛ لأن كلام الله لا يتفاضل ، وإنما هو مثل قوله : { من جاء بالحسنة فله خير منها{[1065]} } [ النمل : 89 ] أي فله منها خير ، أي نفع وأجر ، لا الخير الذي هو بمعنى الأفضل ، ويدل على القول الأول قوله : " أو مثلها " .
ولما حرم سبحانه قوله { راعنا } بعد حله وكان ذلك من باب النسخ وأنهى{[4225]} ما يتعلق به بالوصف بالفضل العظيم بعد التخصيص الذي من{[4226]} مقتضاه نقل ما يكون من المنافع من ملك أو دين أو قوة أو علم من ناس إلى ناس{[4227]} ، وكان اليهود يرون أن دينهم لا ينسخ ، فكان النسخ لذلك من مطاعنهم في هذا الدين وفي كون هذا الكتاب هدى للمتقين ، لأنه على زعمهم لا يجوز على الله ، قالوا : لأنه يلزم منه البدا - أي بفتح الموحدة{[4228]} مقصوراً - وهو أن يبدو الشيء أي يظهر بعد أن لم يكن ، وذلك لا يجوز على الله تعالى ، هذا مع أن النسخ في كتابهم الذي بين أظهرهم ، فإن فيه أنه{[4229]} تعالى أمرهم بالدخول إلى بيت المقدس بعد مقاتلة الجبارين ، فلما أبوا حرم عليهم دخولها ومنعهم منه ومن القتال بالقدرة والأمر ، كما ستراه عن نص التوراة في سورة المائدة إن شاء الله تعالى ، وأمرهم بالجمعة فاختلفوا فيه{[4230]} ، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي في قوله تعالى :{ إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه }[ النحل : 124 ] واختاروا السبت ، ففرض عليهم وشدد عليهم فيه وأحل لهم جميع اللحوم والشحوم ، لما اتخذوا العجل حرم عليهم الشحوم ؛ وأعظم{[4231]} من ذلك تعاطيهم من النسخ ما لم يأذن به الله في تحريفهم الكلم عن مواضعه ، وتحريم الأحبار والرهبان وتحليلهم لهم ما شاؤوا من الأحكام التي{[4232]} تقدم عد جملة منها أصولاً وفروعاً ، كما قال تعالى :{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله{[4233]} }[ التوبة : 31 ] ، ولما قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم : " يا رسول الله ! إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، قال{[4234]} : أليسوا{[4235]} يحلون لهم ويحرمون ؟ قال : بلى ، قال : فتلك عبادتهم لهم " كما هو مبين في السيرة في وفادة عدي ؛ وكما فعلوا في إبدال الرجم في الزنا{[4236]} بالتحميم والجلد{[4237]} ؛ وفي اتباع ما تتلو الشياطين مع أن فيه إبطال كثير من شرعهم ؛ وفي نبذ فريق منهم{[4238]} كتاب الله ؛ وفي قولهم :{ سمعنا وعصينا{[4239]} }[ البقرة : 93 ] ، وفي اتخاذهم العجل مع النهي عن ذلك - وكل ما شاكله في كثير من فصول التوراة وفيما أشير إليه بقوله :{ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض{[4240]} }[ البقرة : 85 ] إلى غير ذلك ، لما كان ذلك قال تعالى جواباً عن طعنهم سابقاً{[4241]} له في مظهر العظمة معلماً أنه قد ألبس العرب المحسودين ما كان قد زين به أهل الكتاب دهوراً{[4242]} فابتذلوه ودنسوا محياه ورذلوه وغيروه وبدّلوه{[4243]} إشارة إلى أن الحسد لكونه اعتراضاً على المنعم يكون سبباً لإلباس المحسود ثوب الحاسد : { ما ننسخ } والنسخ{[4244]} قال الحرالي : نقل بادٍ من أثر أو كتاب ونحوه من {[4245]}محله بمعاقب{[4246]} يذهبه .
أو باقتباس يغني عن غيبته وهو وارد الظهور في المعنيين في موارد الخطاب ؛ والمعاقبة في هذا أظهر - انتهى . وساقها بغير عطف لشدة التباسها بما قبلها لاختصاصنا لأجل التمشية{[4247]} على حسب المصالح بالفضل والرحمة ، لأنه إن كان المراد نسخ جميع الشرائع الماضية بكتابنا فلما فيه من التشريف بالانفراد بالذكر وعدم التبعية والتخفيف للأحمال{[4248]} التي كانت ، وإن كان المراد نسخ ما شرع لنا فللنظر في المصالح الدنيوية والأخروية بحسب ما حدث من الأسباب { من آية } أي فنرفع{[4249]} حكمها ، أو تلاوتها بعد إنزالها ، أو نأمر{[4250]} بذلك على أنها من النسخ{[4251]} على{[4252]} قراءة ابن عامر ، سواء كانت في شرع من قبل كاستقبال بيت المقدس أو لم تكن ؛ وفي صيغة نفعل إشعار بأن من تقدم ربما نسخ عنهم ما لم يعوضوا به مثلاً ولا خيراً ، ففي طيه ترغيب للذين آمنوا في كتابهم الخاص بهم وأن يكون لهم عند النسخ حسن قبول فرحاً{[4253]} بجديد{[4254]} أو اغتباطاً{[4255]} بما هو خير من المنسوخ ، ليكون حالهم عند تناسخ الآيات مقابل حال الآبين{[4256]} من قبوله المستمسكين بالسابق المتقاصرين عن{[4257]} خير لاحق وجدِّته - قاله الحرالي : { أو ننسأها{[4258]} } {[4259]}أي نؤخرها ، أي{[4260]} نترك إنزالها عليكم أصلاً ، وكذا معنى { أو نُنسها } من أنسى{[4261]} في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو ، أي نأمر بترك{[4262]} إنزالها { نأت بخير منها أو مثلها } كما فعلنا في { راعنا } وغيرها . أو يكون المعنى { ما ننسخ من آية } فنزيل حكمها أو لفظها عاجلاً كما فعلنا في { راعنا } أو { ننسأها } بأن نؤخر نسخها أو نتركه{[4263]} - على قراءة { ننسها }{[4264]} زمناً ثم ننسخها كالقبلة { نأت }{[4265]} عند نسخها { بخير منها أو مثلها } ، ، وقال الحرالي : وهو الحق إن شاء الله تعالى . والنسء{[4266]} تأخير عن وقت إلى وقت ، ففيه مدار بين السابق واللاحق بخلاف النسخ ، لأن النسخ معقب للسابق والنسء مداول{[4267]} للمؤخر ، وهو نمط من الخطاب عليٌ خفي المنحى ، لم يكد يتضح معناه لأكثر العلماء إلا للأئمة{[4268]} من آل محمد صلى الله عليه وسلم لخفاء الفرقان بين ما شأنه المعاقبة وما{[4269]} شأنه المداولة{[4270]} . ومن أمثاله ما وقع في النسء{[4271]} من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الأضاحي فتقبله{[4272]} الذين آمنوا نسخاً ، وإنما كان إنساء وتأخيراً لحكم الاستمتاع بها بعد ثلاث إلى وقت زوال الدافّة التي كانت دفت عليهم من البوادي ، فلم يلقن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى فسره فقال : " إنما نهيتكم {[4273]}من أجل{[4274]} الدافة " ، ففي متسع فقهه{[4275]} أن أحكاماً تؤخر فتشابه النسخ من وجه ثم تعاد فتخالفه من هذا الوجه من حيث إن حكمة المنسوخ منقطعة وحكمة المنَسء متراجعة . ومنه المقاتلة للعدو عند وجدان المنة والقوة والمهادنة{[4276]} عند الضعف عن المقاومة هو{[4277]} من أحكام المنسء ، وكل ما{[4278]} شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى مّا ثم يعود في وقت لزوال ذلك المعنى فهو من المنَسء{[4279]} الذي أهمل علمه أكثر الناظرين وربما أضافوا أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما ؛ فبحق أن{[4280]} هذه الآية من جوامع{[4281]} آي الفرقان ، فهذا حكم النسء والإنساء{[4282]} وهو في العلم بمنزلة تعاقب الفصول بما اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه المتداولة في الجملة .
قلت : وحاصله تأخير الحل كما ذكر{[4283]} أو الحرمة كما في المتعة ونحو ذلك إلى وقت آخر وذلك هو مدلول النسء على ما كانت العرب تتعارفه كما سيأتي تحريره في سورة براءة عند { إنما النسيء زيادة في الكفر{[4284]} }[ التوبة : 37 ] قال : وأما النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسيء{[4285]} وهو ما يظهره الله{[4286]} من البيانات{[4287]} على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ينسء كالسنن التي أبداها النبي صلى الله عليه وسلم عن تنسيته{[4288]} كما ورد من{[4289]} قوله : إني لأُنَسَّى لأسُنَّ . وقال عليه الصلاة والسلام في{[4290]} إفصاح القول فيه{[4291]} : " بئسما لأحدكم أن يقول : نسيت ، بل هو نُسي " ومنه قيامه من اثنتين وسلامه من اثنتين حتى أظهر الله سنة ذلك لأمته ، وكانت تلك الصلاة بسهوها ليست بدونها من غير سهو بل هي مثلها أو خير{[4292]} ؛ ومن نحوه منامه عن الصلاة حتى أظهر الله توقيت الصلاة بالذكر كما كان قد أظهرها بالوقت الزماني ، فصار{[4293]} لها وقتان : وقت نور عياني من{[4294]} مدارها مع الشمس ، ووقت نور وجداني من مدارها مع الذكر ، ولصحة وقوعها للوقتين كانت الموقتة بالذكر أداء بحسبه ، قضاء بحسب فوت الوقت الزماني ؛ فللّه تعالى على هذه{[4295]} الأمة فضل عظيم فيما يكمل لها على طريق النسخ وعلى سبيل النسء وعلى جهة النسيان الذي ليس عن تراخ ولا إهمال وإنما يوقعه إجباراً مع إجماع العزم ، وفي كل{[4296]} ذلك إنباء{[4297]} بأن ما وقع من الأمر بعد هذا النسيان خير من موقع ذلك الأمر الذي كان يقع على إجماع ورعاية لتستوي أحوال هذه الأمة في جميع تقلبات{[4298]} أنفسها ، كل ذلك من اختصاص رحمته وفضله العظيم - انتهى . واستدل{[4299]} سبحانه على إتيانه{[4300]} بذلك بقدرته ، والقدرة{[4301]} الشاملة التامة مستلزمة للعلم أي وليس هو كغيره من الملوك إذا أمر بشيء خاف غائلة{[4302]} أتباعه ورعاياه في نقضه ، واستدل على القدرة بأن له جميع الملك وأنه ليس لأحد معه أمر ، وحاصل ذلك أنه لما ذكر سبحانه هذا الكتاب وأكد أمره مراراً وكان ناسخاً لفروع شريعتهم ولا سيما ما فيها من الآصار والأغلال أشار سبحانه إلى أن من أعظم ضلالهم وغيهم ومحالهم{[4303]} ، ادعاؤهم أن النسخ لا يجوز على الله ، فمنعوا من{ لا يسأل عما يفعل }{[4304]} [ الأنبياء : 23 ] مما هو موجود في كتابهم كما أمر آنفاً ، ومما سوغوه لأنفسهم بالتحريف والتبديل ، ولزم من ذلك تكذيب كل رسول أتاهم بما لا تهوى أنفسهم ، وفعلوا خلاف حال المؤمنين المصدقين بما أنزل إلى نبيهم وما أنزل إلى غيره ، وضمن ذلك عيبهم بالقدح في الدين بالأمر بالشيء اليوم والنهي عنه غداً ، وأنه لو كان من عند الله لما تغير{[4305]} لأنه عالم بالعواقب ، ولا يخلو إما أن يعلم أن الأمر بذلك الشيء مصلحة فلا ينهى عنه بعدُ ، أو{[4306]} مفسدة فلا يأمر به اليوم ، جوابهم عن ذلك معرضاً عن خطابهم تعريضاً بغباوتهم إلى خطاب أعلم الخلق بقوله : { ألم تعلم أن الله } أي الحائز لجميع أوصاف{[4307]} الكمال { على كل شيء قدير } على وجه الاستفهام المتضمن{[4308]} للإنكار والتقرير المشار فيه للتوعد والتهديد ، فيخلق بقدرته من الأسباب ما يصير الشيء في وقت مصلحة وفي وقت آخر مفسدة لحكم ومصالح دبرها لتصرم هذا العالم .
ويقضي{[4309]} هذا الكون بشمول علمه بكل ما تقدم وما تأخر . ولو أراد لجعل{[4310]} الأمر على سنن واحد{[4311]} والناس على قلب رجل واحد{ ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً }{[4312]} [ يونس : 99 ] { لجعل{[4313]} الناس أمة واحدة{[4314]} }[ هود : 118 ] ولكنه مالك الملك وملك{[4315]} السماوات والأرض ، يتصرف على حسب ما يريد ، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه ، ولا يسوغ الاعتراض عليه بوجه ، وهل يجوز أن يعترض العبد الذي لا ينفك أصلاً من الرق على السيد الثابت السودد على أنه لا يلزمه شيء أصلاً فلا يلزمه الأمر على حسب المصالح ؛
قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } ما أداة شرط تجزم فعلين . { ننسخ } فعل الشرط مجزوم . والنسخ يأتي في اللغة بمعنى الإزالة والإبطال أو إقامة الشيء بدل غيره ، أو النقل من مكان إلى آخر{[107]} أما النسخ في الاصطلاح فهو : رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر . أو هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم{[108]} .
ويبدو هذه التعريفات أنها متقاربة وذلك من حيث إن النسخ يعني الإزالة أو التبديل ، فهذه المعاني شديدة التقارب بما ذكره الأصوليون من تعريف للنسخ . أما النسخ من حيث ضروبه وأقسامه على التفصيل ، ومن حيث المواضع التي يقع فيها النسخ ، ومن حيث النسخ بين القرآن والقرآن ، ثم بين القرآن والسنة ، وغير ذلك من مسائل تتعلق بالنسخ ، فإن موضع ذلك كله في كتب الأصول حث البيان المفصل والشامل لهذه القضية الهامة .
وعلى العموم فإن الآية تعني أنه : ما نرفع حكم آية ، سواء كان الرفع واقعا على التلاوة والمعنى كليهما ، أو على التلاوة دون المعنى ، أو المعنى دون التلاوة ، { أو ننسها } فإن الله جلت قدرته لسوف يأتي بخير منها أو مثلها . وقوله : { ننسها } معطوف على { ننسخ } . وفي قراءتها وجهان وهما : ننسأها بالهمز ، وننسها بغير همز . وقراءتها بالهمز تعني : نؤخرها فلا ننسخها ، وهو من الإنسان أو التأخير ، وفعله أنسأ بمعنى أخر . نقول أنسأ الله أجلك أي أخره ليطيل في عمرك{[109]} .
وأما قراءتها بغير همز من النسيان وفعله نسي . أي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان الله سبحانه ينسيه ما يشاء من آيات لحكمة يعلمها ويقدرها هو جل ثناؤه . وفي تعزيز هذا المعنى يستشهد سعد بن أبي وقاص بقوله تعالى : { سنقرئك فلا تنسى } وقوله : { واذكر ربك إذا نسيت } وفي تقديرنا أن هذا هو الصواب ليكون معنى الآية : أن الله لا يقدر لعباده رفعا لآية أو إباحة لتركها بعد نسيان إلا ويأتي بمثلها أو خير منها من الآيات .
وقوله : { نأتي بخير منها أو مثلها } لا يفهم من هذا أن بعض القرآن خير من بعضه الأخر ، فإنه كله خير ، وهو كله مقدور من عند الله جاء متضمنا لجوانب الخير جميعا ، وهو في روعته وبلاغته وكمال معناه يستوي أوله ووسطه وآخره ، فهو في أعلاه عظيم باهر وفي أسفله رفيع مشرق . ومعنى الخير هنا الذي يأتي به الله فهو ما كان أنفع للعباد مما كان لهم به خير . فالله جل ثناؤه يقرر نسخ الآية أو نسيها ليخلفها بما هو أكثر نفعا للناس أو بما يكون مساويا له في النفع في هذه الدنيا وفي تلكم الأجلة الباقية .
قوله : { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض } قوله : { ألم } في الآيتين سؤال ينطوي على تقرير لحقيقة ما ورد في هاتين الآيتين ، لكن العلاقة وثيقة بين الاستفهام التقريري هنا وقضية النسخ السابقة . فقد عجبت يهود من ورود النسخ في القرآن وأخذوا يطعنون في صدق نبوة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وصدق القرآن الكريم . مع أنه لا غرابة في مثل هذه القضية ، فإن النسخ قد وقع في كثير من الأحكام في التوراة . وليست المسألة هنا غير التعصب والحقد والهوى والعناء . وكم كان أجدى لو رضخت يهود وغير يهود لكلمة الله وتشريعه للنسخ . فليس في ذلك ما يثير عجبا ، فإن الله شارع النسخ لهو المقتدر على كل شيء ، وهو الذي يملك السماوات والأرض ، بل له ملكوت كل شيء فله إقرار ما يشاء ونسخ ما يشاء ، وله الحكمة في ذلك من غير معقب ولا نديد .
قوله : { وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير } الولي من الولاية وهي السلطان . يقول سبحانه في آية أخرى : { هنالك الولاية للحق الحق } أي له السلطان والهيمنة دون أحد من خلقه . فإنه ليس للناس سوى الله سلطان أو نصير يركنون إليه أو يستمدون منه العون والمدد . فهو –جل ثناؤه-يهب العزة لمن يشاء ويمنن بالقوة والمنعة يكتبهما لمن أراد من عباده .