الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ} (33)

قوله تعالى : { قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم } فيه خمس مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " أنبئهم بأسمائهم " أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه ، فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه . فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له ، مختصا بالعلم .

الثانية : في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله ، وفي الحديث : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ) أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لأهل{[482]} العلم خاصة من بين سائر عيال{[483]} الله ؛ لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب . فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله ، ورضا منهم{[484]} بالطلب له والشغل به . هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم جعلنا الله منهم وفيهم ، إنه ذو فضل عظيم .

الثالثة : اختلف العلماء من هذا الباب ، أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين : فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة ، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة . وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل . احتج من فضل الملائكة بأنهم " عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " [ الأنبياء : 27 ] " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " [ التحريم : 6 ] . وقوله : " لن يستنكف المسيح أن يكون عبد ا لله ولا الملائكة المقربون{[485]} " [ النساء : 172 ] وقوله : " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك{[486]} " [ الأنعام : 50 ] . وفي البخاري : ( يقول الله عز وجل : " من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ) . وهذا نص . احتج من فضل بني آدم بقوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة{[487]} " [ الأنعام : 50 ] بالهمز ، من برأ الله الخلق . وقوله عليه السلام : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضي لطالب العلم ) الحديث . أخرجه أبو داود ، وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ، ولا يباهي إلا بالأفضل ، والله أعلم . وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم ؛ لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة ، وليس ههنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا : الملائكة أفضل . قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم ، فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد ، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها ، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة . ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى ؛ لأن السجود عبادة ، والعبادة لا تكون إلا لله ، فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد ، وهذا واضح . وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا .

الرابعة : قوله تعالى : " إني أعلم غيب السماوات والأرض " دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة . وسيأتي بيان هذا في " الأنعام{[488]} " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو "

الخامسة : قوله تعالى : " وأعلم ما تبدون " أي من قولهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها " حكاه مكي والماوردي . وقال الزهراوي : ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم . " وما كنتم تكتمون " قال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية . قال ابن عطية : وجاء " تكتمون " للجماعة ، والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها ، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا . أي منكم فاعله ، وهذا مع قصد تعنيف ، ومنه قوله تعالى : " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون{[489]} " [ الحجرات : 4 ] وإنما ناداه منهم عيينة ، وقيل الأقرع . وقالت طائفة : الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع . وقال مهدي بن ميمون : كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة ؟ قال : إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا ، وكأنهم دخلهم من ذلك شيء ، قال : ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم ، فقالوا{[490]} : وما يهمكم من هذا المخلوق إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه . و " ما " في قوله : " ما تبدون " يجوز أن ينتصب ب " أعلم " على أنه فعل ، ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به " ما " فيكون مثل حواج بيت الله ، وقد تقدم{[491]} .


[482]:في نسخة من الأصل: "لأجل".
[483]:في نسخ من الأصل: "عمال الله".
[484]:في نسخة: "ورضي الله عنهم..." الخ.
[485]:راجع ج 6 ص 26
[486]:راجع ج 6 ص 429.
[487]:راجع ج 20 ص 145.
[488]:راجع ج ص 1
[489]:راجع ج 16 ص 309
[490]:زيادة عن تفسير الطبري
[491]:راجع ص 278.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ} (33)

فلما قالوا ذلك وأراد إشهادهم فضل آدم عليه السلام استأنف في جواب من كأنه قال : ما قال لهم عند ذلك ؟ قوله : { قال } {[1636]}مظهراً{[1637]} لفضيلة العلم الموجبة لشرف العالم { يا آدم{[1638]} أنبئهم } أي ليزدادوا بصيرة في أن العالم من علّمته والسعيد من أسعدته في أي صورة ركبته { بأسمائهم } فأنبأهم بها . قال الحرالي : ولم يقل : علمهم ، فكان آدم عليماً بالأسماء وكانوا هم مخبرين بها لا معلميها ، لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم ، ليكون من كل شيء{[1639]} ومنه كل شيء{[1640]} ، فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس{[1641]} علمه عنده ؛ فلذلك اختصوا بالإنباء دون التعليم ، فلكل شيء عند آدم عليه السلام بما{[1642]} علمه الله وأظهر له علاماته{[1643]} في استبصاره الشيء اسمان جامعان : اسم يبصّره من موجود الشيء واسم يذكره لإبداء معنى ذلك الشيء إلى غاية حقيقته ، ولكل اسم جامع عنده وجوه متعددة يحاذي كلَّ وجه منها بتسمية تخصه ، وبحسب تلك الوجوه تكثرت عنده الألسنة وتكثرت الألسن الأعجمية ، فأفصحها وأعربها الاسم الجامع وذلك الاسم هو العربي الذي به أنزل خاتم الكتب على خاتم المرسلين وأبقى دائماً في مخاطبة أهل الجنة لمطابقة الخاتمة إحاطة البادئة

{ حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم{[1644]} }[ الزخرف : 1 ، 4 ] وطابق الختم البدء{[1645]} إحاطة لإحاطة - انتهى . وهذا كما كان ولده محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم يكلم كل إنسان بلغته من قبائل العرب ومن العجم بل{[1646]} ومن البهائم العجم{[1647]} فكان علمه لبعض اللغات من غير مخالطة لأهلها ولا إلمام بلسانهم دليلاً على علم سائر اللغات ، لأنه لا معلم له إلا العالم بكل شيء . { فلما أنبأهم }{[1648]} أي أخبرهم إخباراً عظيماً يأخذ بالألباب ، و { لما } كلمة تفهم وجوب أمر لأمر في حين فتجمع{[1649]} معنى الشرط والظرف - قاله الحرالي { بأسمائهم } على ما هي عليه .

قال الحرالي في التفسير وكتاب له في أصول الفقه : هذه التسميات ليس الأسماء التي هي موجودة من الذوات ، لأن تلك لا ينالها إلا العلم وشهود البصيرة وقد جرى ذلك في وراثة في ولد آدم حتى كان رؤبة وأبوه العجاج يرتجلان اللغة ارتجالاً ويتعلمها منهم من سواهم من العرب ، لأن التسمية التي ينالها الإنباء للاسم الذي يناله{[1650]} العلم كالمثل له المبدي لصورة{[1651]} معناه للأذن لمناسبة ومواصلة{[1652]} بين خصوص التسمية واسمها من الذات{[1653]} ، فيعلم ما يحاذي{[1654]} الشيء المفرد من منتظم الحروف كما يعلم الواصف ما يحاذي الشيء ويحاكيه من منتظم الكلم ، فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام ، ويحاذيه ويسميه المسمى له بكلمة واحدة ، وكما أنه ليس{[1655]} لكل أحد مُنّة أن يصف فكذلك ليس{[1656]} لكل أحد{[1657]} منة أن يسمى ، ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب وقد كان يجب الاكتفاء بما في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع فيها من الاختلاف بين التوقيف والاصطلاح ، فقد تبين أنها عن علم علمه الله آدم لا عن توقيف كما هو عند الملائكة من آدم ولا عن اصطلاح كما قيل - انتهى .

قال } أي الله تعالى مثبتاً{[1658]} مدخول النفي كما هو شأن همزة التقرير{[1659]} { ألم أقل لكم } يا ملائكتي ! {[1660]}ولما كان هذا خبراً جسيماً نبه على بلوغه النهاية في العظمة وأنه مما يستغربه{[1661]}/ بعض{[1662]} الخلق بالتأكيد فقال : { إني أعلم } {[1663]}علماً مستمراً لا انقضاء له{[1664]} { غيب السماوات والأرض } فمن أردت تعليمه شيئاً من ذلك كان عالماً به ، وأما غيري فلا طريق له إلى معرفة المستقبل إلا الفراسة وقد تحظى{[1665]} . قال الحرالي : قررهم حتى {[1666]}لا يكون لهم{[1667]} ثانية وأعلم بذلك عباده من ولد آدم حتى يستنوا بحكم التسليم لله في ما يبديه من غير تعرض ولا اعتراض ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر - انتهى .

{ وأعلم ما تبدون } في كل حين { وما كنتم تكتمون{[1668]} } فيما مضى وفيما يأتي . قال الحرالي : وفي صيغة تكتمون{[1669]} من الدلالة{[1670]} على تمادي ذلك في كيانهم ما في صيغة تبدون من تمادي بادى ذلك منهم - انتهى .


[1636]:العبارة من هنا إلى "العالم" ليست في ظ.
[1637]:في مد: نظير.
[1638]:نادى آدم باسمه العلم وهي عادة الله مع أنبيائه قال تعالى "يا نوح اهبط بسلام منا "يا نوح إنه ليس من أهلك" ، "يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا" ، "يا موسى إني أنا الله" ، "يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك" ونادى محمدا نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء بالوصف الشريف من الإرسال والإنباء فقال "يا أيها الرسول" "يا أيها النبي" فانظر تفاوت ما بين هذا النداء وذاك النداء.
[1639]:ليست في مد.
[1640]:ليست في مد.
[1641]:في ظ: أحس.
[1642]:في م: مما.
[1643]:في البحر المحيط "قال القشيري: من آثار العناية بآدم عليه السلام لما قال للملائكة "أنبئوني" داخلهم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم لا سيما حين طالبهم بأنبائهم إياه ما لم تحط بهم علومهم. ولما كان حديث آدم رده في الإنباء عليهم فقال "أنبئهم بأسمائهم" ومخاطبة آدم للملائكة لم توجب الاستغراق في الهيبة فلما أخبرهم آدم عله السلام بأسماء ما تقاصرت عنه علومهم ظهرت فضيلته عليهم فقال: "ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات" يعني ما تقاصرت عنه علوم الخلق "واعلم ما تبدون" من الطاعات "وما كنتم تكتمون" من اعتقاد الخيرية على آدم – انتهى كلام القشيري.
[1644]:سورة 43 آية 1 – 4.
[1645]:في ظ: البدل.
[1646]:ليست في ظ.
[1647]:ليست في ظ
[1648]:قال علي المهائمي "يا آدم أنبئهم" وإن كنت دونهم في التجرد الذي به الاطلاع "بأسمائهم" مع فواتها للحصر من غير غلط فيها "قال ألم أقل لكم إني أعلم ما لا تعلمون" قاصدا به "إني أعلم غيب السماوات" أي العالم العلوي مع كونكم من "و" غيب "الأرض" أي العالم السفلي مع ظهوره للحس، ففي كل منهما من الخفايا ما لا يبلغه علمكم بأدنى وجوه التميز مع كمال تجردكم – انتهى. وقال أبو حيان الأندلسي: وفي قوله "أنبئوني" "فلما أنبأهم" تنبيه على إعلام الله أنه قد أعلم الله أنه قد أعلم آدم من أحوالهم ما لم يعلمهم من حاله، لأنهم رأوه قبل النفخ مصورا فلم يعلموا ما هو؛ وعلى أنه رفع درجة آدم عندهم لكونه قد علم لآدم ما لم يعلمهم؛ وعلى إقامته مقام المفيد المعلم وإقامتهم مقام المستفدين منه، لأنه أمره أن يعلمهم أسماء الذين عرضهم عليهم؛ وعلى أدبهم على ترك الأدب من حيث قالوا "أتجعل فيها" فإن الطواعية المحضة أن يكونوا مع عدم العلم بالحكمة فيما أمروا به وعدم الاطلاع على ذلك الأمر ومصلحته ومفسدته كهم مع العلم والاطلاع وكان الامتثال والتسليم بغير تعجب ولا استفهام أليق بمقامهم لطهارة ذواتهم وكمال صفاتهم – انتهى.
[1649]:في م: فتجم.
[1650]:في ظ: نباله له – كذا.
[1651]:في م: لصوره.
[1652]:في م: مواصلته.
[1653]:في م: الذوات.
[1654]:في م: فيحادي.
[1655]:ليس في ظ.
[1656]:في م: لأحد.
[1657]:في م: لأحد.
[1658]:قال البيضاوي: استحضار لقوله "إني أعلم ما لا تعلمون" لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه، فإنه تعالى لما علم ما خفى عليهم من أمور السماوات والأرض وما ظهور لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون؛ وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم. والهمزة للإنكار دخلت حرف الجحد فأفادت الإثبات والتقرير – انتهى.
[1659]:العبارة من "مثبتا" إلى هنا ليست في ظ.
[1660]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ
[1661]:وفي م: يستقر به.
[1662]:في م: عين
[1663]:ليست في ظ.
[1664]:ليست في ظ.
[1665]:وفي م وظ: يخطئ
[1666]:وفي م ومد: لا تكون لها
[1667]:وفي م ومد: لا تكون لها.
[1668]:قال أبو حيان: هو عام فيما أبدوه وما كتموه من كل أمورهم، وهذا هو الظاهر، وعطف قوله "وما كنتم تكتمون" هو من باب الترقي في الإخبار لأن علم الله تعالى واحد لا تفاوت فيه بالنسبة إلى شيء من معلوماته جهرا كان أو سرا، ووصل "ما" بكنتم يدل على أن الكتم وقع فيما مضى؛ وليس المعنى أنهم كتموا عن الله لأن الملائكة أعرف بالله وأعلم فلا يكتمون الله شيئا وإنما المعنى أنه هجس في أنفسهم شيء لم يظهره بعضهم لبعض ولا اطلعه عليه.
[1669]:ليست في ظ.
[1670]:ليست في ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ} (33)

قوله : ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم( أمر الله في ذلك آدم أن يدل الملائكة على أسمائهم أنفسهم وعلى أسماء الأشياء على اختلافها وتعددها ، وذلك ليعلموا أن آدم لذو شأن عظيم ولسوف يكون من نسله أناسي كرام وأفراد أفذاذ يقفون على القمة الرفيعة من السداد والاستقامة والفصل .

وقوله : ( فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( كان إنباء آدم للملائكة عن أسمائهم وأسماء الأشياء المختلفة الأخرى ، مبعث إعجاب الملائكة أنفسهم لهذا الكائن العظيم الجديد الذي ما كانوا يعرفونه من قبل حق المعرفة إلى أن كشف الله لهم عن شأنه واعتباره حتى سألهم الله : ( ألم أقل لكم إني . . . ( أي ألم أكن قد بينت لكم من قبل أني أعلم بالغيب ، غيب السماوات والأرض ، وأن شيئا فيهما لا يخفى على أمره وأن ما سيقع من أمور وأحداث بدءا بالهيئات منها حتى الجسام الفوادح فإني علام بذلك كله ، وكذلك فإني عليم بما تظهرونه من أقوال وأمور وقضايا ، وعليم كذلك بما تبطنونه من أخبار وأسرار تظل خبيئة النفوس والنوايا ، وقيل في معنى هذا الشطر من الآية : إن الله عليم بحقيقة ما أبدوه وهو قولهم : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( وأن مآل هذا القول ليس كما تحسبه الملائكة أو تتصوره ، أما الشطر الأخير من الآية وهو ( وما كنتم تكتمون ( أي أن الله عليم بما كانت الملائكة تتصوره وهو أن الله سبحانه لن يخلق أحدا أعلم منهم أو أعظم منهم فضلا ، وقيل غير ذلك والله جل وعلا أدرى وأعلم .