قوله تعالى : { قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم } فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : " أنبئهم بأسمائهم " أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه ، فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه . فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له ، مختصا بالعلم .
الثانية : في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله ، وفي الحديث : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ) أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لأهل{[482]} العلم خاصة من بين سائر عيال{[483]} الله ؛ لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب . فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله ، ورضا منهم{[484]} بالطلب له والشغل به . هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم جعلنا الله منهم وفيهم ، إنه ذو فضل عظيم .
الثالثة : اختلف العلماء من هذا الباب ، أيما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين : فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة ، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة . وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل . احتج من فضل الملائكة بأنهم " عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " [ الأنبياء : 27 ] " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " [ التحريم : 6 ] . وقوله : " لن يستنكف المسيح أن يكون عبد ا لله ولا الملائكة المقربون{[485]} " [ النساء : 172 ] وقوله : " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك{[486]} " [ الأنعام : 50 ] . وفي البخاري : ( يقول الله عز وجل : " من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ) . وهذا نص . احتج من فضل بني آدم بقوله تعالى : " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريئة{[487]} " [ الأنعام : 50 ] بالهمز ، من برأ الله الخلق . وقوله عليه السلام : ( وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضي لطالب العلم ) الحديث . أخرجه أبو داود ، وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ، ولا يباهي إلا بالأفضل ، والله أعلم . وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم ؛ لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة ، وليس ههنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا : الملائكة أفضل . قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم ، فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد ، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها ، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة . ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى ؛ لأن السجود عبادة ، والعبادة لا تكون إلا لله ، فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد ، وهذا واضح . وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا .
الرابعة : قوله تعالى : " إني أعلم غيب السماوات والأرض " دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة . وسيأتي بيان هذا في " الأنعام{[488]} " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو "
الخامسة : قوله تعالى : " وأعلم ما تبدون " أي من قولهم : " أتجعل فيها من يفسد فيها " حكاه مكي والماوردي . وقال الزهراوي : ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم . " وما كنتم تكتمون " قال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية . قال ابن عطية : وجاء " تكتمون " للجماعة ، والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها ، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا . أي منكم فاعله ، وهذا مع قصد تعنيف ، ومنه قوله تعالى : " إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون{[489]} " [ الحجرات : 4 ] وإنما ناداه منهم عيينة ، وقيل الأقرع . وقالت طائفة : الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع . وقال مهدي بن ميمون : كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة ؟ قال : إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا ، وكأنهم دخلهم من ذلك شيء ، قال : ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم ، فقالوا{[490]} : وما يهمكم من هذا المخلوق إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم عليه منه . و " ما " في قوله : " ما تبدون " يجوز أن ينتصب ب " أعلم " على أنه فعل ، ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به " ما " فيكون مثل حواج بيت الله ، وقد تقدم{[491]} .
فلما قالوا ذلك وأراد إشهادهم فضل آدم عليه السلام استأنف في جواب من كأنه قال : ما قال لهم عند ذلك ؟ قوله : { قال } {[1636]}مظهراً{[1637]} لفضيلة العلم الموجبة لشرف العالم { يا آدم{[1638]} أنبئهم } أي ليزدادوا بصيرة في أن العالم من علّمته والسعيد من أسعدته في أي صورة ركبته { بأسمائهم } فأنبأهم بها . قال الحرالي : ولم يقل : علمهم ، فكان آدم عليماً بالأسماء وكانوا هم مخبرين بها لا معلميها ، لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم ، ليكون من كل شيء{[1639]} ومنه كل شيء{[1640]} ، فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس{[1641]} علمه عنده ؛ فلذلك اختصوا بالإنباء دون التعليم ، فلكل شيء عند آدم عليه السلام بما{[1642]} علمه الله وأظهر له علاماته{[1643]} في استبصاره الشيء اسمان جامعان : اسم يبصّره من موجود الشيء واسم يذكره لإبداء معنى ذلك الشيء إلى غاية حقيقته ، ولكل اسم جامع عنده وجوه متعددة يحاذي كلَّ وجه منها بتسمية تخصه ، وبحسب تلك الوجوه تكثرت عنده الألسنة وتكثرت الألسن الأعجمية ، فأفصحها وأعربها الاسم الجامع وذلك الاسم هو العربي الذي به أنزل خاتم الكتب على خاتم المرسلين وأبقى دائماً في مخاطبة أهل الجنة لمطابقة الخاتمة إحاطة البادئة
{ حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم{[1644]} }[ الزخرف : 1 ، 4 ] وطابق الختم البدء{[1645]} إحاطة لإحاطة - انتهى . وهذا كما كان ولده محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم يكلم كل إنسان بلغته من قبائل العرب ومن العجم بل{[1646]} ومن البهائم العجم{[1647]} فكان علمه لبعض اللغات من غير مخالطة لأهلها ولا إلمام بلسانهم دليلاً على علم سائر اللغات ، لأنه لا معلم له إلا العالم بكل شيء . { فلما أنبأهم }{[1648]} أي أخبرهم إخباراً عظيماً يأخذ بالألباب ، و { لما } كلمة تفهم وجوب أمر لأمر في حين فتجمع{[1649]} معنى الشرط والظرف - قاله الحرالي { بأسمائهم } على ما هي عليه .
قال الحرالي في التفسير وكتاب له في أصول الفقه : هذه التسميات ليس الأسماء التي هي موجودة من الذوات ، لأن تلك لا ينالها إلا العلم وشهود البصيرة وقد جرى ذلك في وراثة في ولد آدم حتى كان رؤبة وأبوه العجاج يرتجلان اللغة ارتجالاً ويتعلمها منهم من سواهم من العرب ، لأن التسمية التي ينالها الإنباء للاسم الذي يناله{[1650]} العلم كالمثل له المبدي لصورة{[1651]} معناه للأذن لمناسبة ومواصلة{[1652]} بين خصوص التسمية واسمها من الذات{[1653]} ، فيعلم ما يحاذي{[1654]} الشيء المفرد من منتظم الحروف كما يعلم الواصف ما يحاذي الشيء ويحاكيه من منتظم الكلم ، فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام ، ويحاذيه ويسميه المسمى له بكلمة واحدة ، وكما أنه ليس{[1655]} لكل أحد مُنّة أن يصف فكذلك ليس{[1656]} لكل أحد{[1657]} منة أن يسمى ، ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب وقد كان يجب الاكتفاء بما في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع فيها من الاختلاف بين التوقيف والاصطلاح ، فقد تبين أنها عن علم علمه الله آدم لا عن توقيف كما هو عند الملائكة من آدم ولا عن اصطلاح كما قيل - انتهى .
قال } أي الله تعالى مثبتاً{[1658]} مدخول النفي كما هو شأن همزة التقرير{[1659]} { ألم أقل لكم } يا ملائكتي ! {[1660]}ولما كان هذا خبراً جسيماً نبه على بلوغه النهاية في العظمة وأنه مما يستغربه{[1661]}/ بعض{[1662]} الخلق بالتأكيد فقال : { إني أعلم } {[1663]}علماً مستمراً لا انقضاء له{[1664]} { غيب السماوات والأرض } فمن أردت تعليمه شيئاً من ذلك كان عالماً به ، وأما غيري فلا طريق له إلى معرفة المستقبل إلا الفراسة وقد تحظى{[1665]} . قال الحرالي : قررهم حتى {[1666]}لا يكون لهم{[1667]} ثانية وأعلم بذلك عباده من ولد آدم حتى يستنوا بحكم التسليم لله في ما يبديه من غير تعرض ولا اعتراض ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر - انتهى .
{ وأعلم ما تبدون } في كل حين { وما كنتم تكتمون{[1668]} } فيما مضى وفيما يأتي . قال الحرالي : وفي صيغة تكتمون{[1669]} من الدلالة{[1670]} على تمادي ذلك في كيانهم ما في صيغة تبدون من تمادي بادى ذلك منهم - انتهى .
قوله : ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم( أمر الله في ذلك آدم أن يدل الملائكة على أسمائهم أنفسهم وعلى أسماء الأشياء على اختلافها وتعددها ، وذلك ليعلموا أن آدم لذو شأن عظيم ولسوف يكون من نسله أناسي كرام وأفراد أفذاذ يقفون على القمة الرفيعة من السداد والاستقامة والفصل .
وقوله : ( فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ( كان إنباء آدم للملائكة عن أسمائهم وأسماء الأشياء المختلفة الأخرى ، مبعث إعجاب الملائكة أنفسهم لهذا الكائن العظيم الجديد الذي ما كانوا يعرفونه من قبل حق المعرفة إلى أن كشف الله لهم عن شأنه واعتباره حتى سألهم الله : ( ألم أقل لكم إني . . . ( أي ألم أكن قد بينت لكم من قبل أني أعلم بالغيب ، غيب السماوات والأرض ، وأن شيئا فيهما لا يخفى على أمره وأن ما سيقع من أمور وأحداث بدءا بالهيئات منها حتى الجسام الفوادح فإني علام بذلك كله ، وكذلك فإني عليم بما تظهرونه من أقوال وأمور وقضايا ، وعليم كذلك بما تبطنونه من أخبار وأسرار تظل خبيئة النفوس والنوايا ، وقيل في معنى هذا الشطر من الآية : إن الله عليم بحقيقة ما أبدوه وهو قولهم : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ( وأن مآل هذا القول ليس كما تحسبه الملائكة أو تتصوره ، أما الشطر الأخير من الآية وهو ( وما كنتم تكتمون ( أي أن الله عليم بما كانت الملائكة تتصوره وهو أن الله سبحانه لن يخلق أحدا أعلم منهم أو أعظم منهم فضلا ، وقيل غير ذلك والله جل وعلا أدرى وأعلم .