الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ} (81)

قوله تعالى : " وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم " أي كفرهم ، أي ليس في وسعك خلق الإيمان في قلوبهم . وقرأ حمزة : " وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم " كقوله : " أفأنت تهدي العمي " . الباقون : ( بهادي العمي )وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وفي " الروم " مثله . وكلهم وقف على ( بهادي ) بالياء في هذه السورة وبغير ياء في " الروم " اتباعا للمصحف ، إلا يعقوب فإنه وقف فيهما جميعا بالياء . وأجاز الفراء وأبو حاتم : ( وما أنت بهاد العمي ) وهي الأصل . وفي حرف عبدالله " وما أن تهدي العمي " . " إن تسمع " أي ما تسمع . " إلا من يؤمن بآياتنا " قال ابن عباس : أي إلا من خلقته للسعادة فهم مخلصون في التوحيد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ} (81)

ولما شبههم بالصم في كونهم لا يسمعون إلا مع الإقبال ، مثلهم بالعمى في أنهم لا يهتدون في غير عوج أصلاً إلا براعٍ لا تشغله عنهم فترة ولا ملال ، فقال : { وما أنت بهادي } أي بموجد الهداية على الدوام في قلوب { العمي } أي في أبصارهم وبصائرهم مزيلاً لهم وناقلاً ومبعداً { عن ضلالتهم } عن الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزالوا عنها أصلاً ، فإن هذا لا يقدر عليه إلا الحي القيوم ، والسياق كما ترى يشعر بتنزيل كفرهم في ثلاث رتب : عليا ككفر أبي جهل ، ووسطى كعتبة بن ربيعة ، ودنيا كأبي طالب وبعض المنافقين ، وسيأتي في سورة الروم لهذا مزيد بيان .

ولما كان ربما أوقف عن دعائهم ، رجاه في انقيادهم وارعوائهم بقوله : { إن } أي ما { تسمع } أي سماع انتفاع على وجه الكمال ، في كل حال { إلا من يؤمن } أي من علمناه أنه يصدق { بآياتنا } بأن جعلنا فيه قابلية السمع . ثم سبب عنه قوله دليلاً على إيمانه : { فهم مسلمون* } أي في غاية الطواعية لك في المنشط والمكره ، لا خيرة لهم ولا إرادة في شيء من الأشياء .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ} (81)

قوله : { وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ } أي ليس في مستطاعك يا محمد أن تهدي أولي الطبائع السقيمة والفطر التي أتى عليها الزيغ والخلل والاعوجاج ، فأولئك سادرون في مجاهل الضلالة والغي ، ولا يملك الإنسان كيفما كان شأنه أن يقوم اعوجاجهم فيثنيهم عن الجنوح على الباطل والعصيان . وقد شبههم بالعميان الذين لا يبصرون شيئا . فأنى للأعمى بالخلقة أن يرتد بصيرا .

قوله : { إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ } أي لا تسمع الحق والموعظة إلا المؤمنين بآيات الله الحكيم . أولئك المصدقون الموقنون الذين هدوا إلى الصواب واليقين من أولي الفطر السليمة والطبائع السوية المستقيمة التي لا عوج فيها ولا أمت ، أولئك هم المستسلمون لله الممتثلون لأمره ، الخاضعون لجلاله وسلطانه{[3463]} .


[3463]:تفسير القرطبي جـ 13 ص 231-233 وفتح القدير جـ3 ص 150-151.