الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ} (24)

الثالثة- قوله تعالى : " ثم تولى إلى الظل " تولى إلى ظل سمرة{[12352]} ؛ قاله ابن مسعود وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله : " إني لما أنزلت إلي من خير فقير " وكان لم يذق طعاما سبعة أيام ، وقد لصق بطنه بظهره ، فعرض بالدعاء ولم يصرح بسؤال ، هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله ، فالخير يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية ، ويكون بمعنى المال كما قال : " إن ترك خيرا " [ البقرة : 180 ] وقول : " وإنه لحب الخير لشديد " [ العاديات :8 ] ويكون بمعنى القوة كما قال : " أهم خير أم قوم تبع " [ الدخان :37 ] ويكون بمعنى العبادة كقول : " وأوحينا إليهم فعل الخيرات " [ الأنبياء : 73 ] قال ابن عباس : وكان قد بلغ به الجوع ، واخضر لونه من أكل البقل في بطنه ، وإنه لأكرم الخلق على الله . ويروى أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدميه وفي هذا معتبر وإشعار بهوان الدنيا على الله ، وقال أبو بكر بن طاهر في قوله : " إني لما أنزلت إلى من خير فقير " أي إني لما أنزلت من فضلك وغناك فقير إلى أن تغنيني بك عمن سواك .

قلت : ما ذكره أهل التفسير أولى ، فإن الله تعالى إنما أغناه بواسطة شعيب .


[12352]:السمرة: شجرة صغيرة الورق، قصيرة الشوك، لها برمة صفراء يأكلها الناس.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ} (24)

{ فسقى } أي موسى عليه الصلاة والسلام { لهما } لما علم ضرورتهما ، انتهازاً لفرصة الأجر وكرم الخلق في مساعدة الضعيف ، مع ما به من النصب والجوع { ثم تولى } أي انصرف موسى عليه الصلاة والسلام جاعلاً ظهره يلي ما كان يليه وجهه { إلى الظل } أي ليقيل تحته ويستريح ، مقبلاً على الخالق بعد ما قضى من نصيحة الخلائق ، وعرفه لوقوع العلم بأن بقعة لا تكاد تخلو من شيء له ظل ولا سيما أماكن المياه { فقال } لأنه ليس في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص { رب } .

ولما كان حاله في عظيم صبره حاله من لا يطلب ، أكد سؤاله إعلاماً بشديد تشوقه لما سأل فيه وزيادة في التضرع والرقة ، فقال : { إني } ولأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون " إلى " فقال : { لما } أي لأي شيء . ولما كان الرزق الآتي إلى الإنسان مسبباً عن القضاء الآتي عن العلي الكبير ، عبر بالإنزال وعبر بالماضي تعميماً لحالة الافتقار ، وتحققاً لإنجاز الوعد بالرزق فقال : { أنزلت } ولعله حذف العائد اختصاراً لما به من الإعياء { إليّ من خير } أي ولو قل { فقير* } أي مضرور ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان قد بلغ من الضر أن اخضر بطنه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه بظهره . فانظر إلى هذين النبيين عليهما الصلاة والسلام في حالهما في ذات يدهما ، وهما خلاصة ذلك الزمان ، ليكون لك في ذلك أسوة ، وتجعله إماماً وقدوة ، وتقول : يا بأبي وأمي ! ما لقي الأنبياء والصالحون من الضيق والأهوال في سجن الدنيا ، صوناً لهم منها وإكراماً من ربهم عنها ، رفعة لدرجاتهم عنده ، واستهانة لها وإن ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك ، وفي القصة ترغيب في الخير ، وحث على المعاونة على البر ، وبعث على بذل المعروف مع الجهد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ} (24)

قوله : { فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } قام موسى يرفع الحجر عن رأس البئر ، وكان ضخما ثقيلا لا يرفعه إلا بضعة رجال لكن موسى كان ذا قوة فرفعه وحده ثم انصرف إلى شجرة فاستظل بظلها ثم دعا ربه في توسل وضراعة { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } المراد بالخير هنا الطعام أو المال ؛ فقد أصاب موسى جوع شديد ؛ إذ سار من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا ، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه ، كما قال ابن عباس . ولما أوى إلى ظل الشجرة دعا ربه أن يرزقه الطعام فهو فقير إلى رزقه وعطائه .