قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا آمنوا " الآية . نزلت في جميع المؤمنين ، والمعنى : يا أيها الذين صدقوا أقيموا على تصديقكم وأثبتوا عليه . " والكتاب الذي نزل على رسوله " أي القرآن . " والكتاب الذي أنزل من قبل " أي كل كتاب أنزل على النبيين . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " نزل " و " أنزل " بالضم . الباقون " نزل " و " أنزل " بالفتح . وقيل : نزلت فيمن آمن بمن تقدم محمدا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء عليهم السلام . وقيل : إنه خطاب للمنافقين ، والمعنى على هذا يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله . وقيل : المراد المشركون ، والمعنى يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى والطاغوت آمنوا بالله ؛ أي صدقوا بالله وبكتبه .
ولما أمر بالعدل على هذا الوجه أمر بالحامل على ذلك ، وهو الإيمان بالشارع والمبلغ والكتاب الناهج لشرائعه المبين لسرائره الذي{[23014]} افتتح القصة بحقيته{[23015]} وبيان فائدته فقال : { يا أيها الذين ءامنوا } أي {[23016]}أقروا بالإيمان ؛ ولما ناداهم بوصف الإيمان أمرهم بما لا يحصل إلا به فقال{[23017]} مفصلاً له : { ءامنوا بالله } أي لأنه أهل لذلك لذاته المستجمع لجميع{[23018]} صفات الكمال كلها{[23019]} .
ولما كان الإيمان بالله لا يصح إلا بالإيمان بالوسائط ، وكان أقرب الوسائط إلى الإنسان الرسول قال : { ورسوله } أي{[23020]} لأنه{[23021]} المبلغ عنه سواء كان من الملك أو البشر { والكتاب الذي{[23022]} نزل } أي مفرقاً بحسب المصالح تدريجاً تثبيتاً وتفهيماً { على رسوله{[23023]} } أي لأنه المفصل لشريعتكم المتكفل بما{[23024]} تحتاجون إليه من الأحكام والمواعظ وجميع ما يصلحكم ، وهو القرآن الواصل إليكم بواسطة أشرف الخلق { {[23025]}والكتاب الذي أنزل{[23026]} } أي أوجد إنزاله ومضى ؛ ولما لم يكن إنزاله مستغرقاً للزمان الماضي بين المراد{[23027]} بقوله : { من قبل } من {[23028]}الإنجيل والزبور{[23029]} والتوراة وغيرها لأن رسولكم بلغكم{[23030]} ذلك فلا يحصل الإيمان إلا بتصديقه في كل ما يقوله .
ولما كان المؤمن الذي الخطاب معه عالماً بأن التنزيل والإنزال لا يكون إلا من الله بنياً للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وابن عامر للعلم بالفاعل ، وصرحت قراءة الباقين به .
ولما كان التقدير : فمن آمن بذلك فقد اهتدى وآمن{[23031]} قطعاً بالملائكة واليوم الآخر وغير ذلك من كل ما دعا إليه الكتاب والرسول ، عطف عليه قوله : { ومن يكفر } أي يوجد الكفر ويجدده وقتاً من الأوقات { بالله وملائكته وكتبه } أي {[23032]}التي أنزلها على أنبيائه بواسطة ملائكته أو بغير واسطة{[23033]} { ورسله } أي من الملائكة والبشر ، فكان الإيمان بالترقي للاحتياج إليه ، وكان الكفر بالتدلي للاجتراء عليه .
ولما كان الإيمان بالبعث - وإن كان أظهر شيء - مما لا تستقل{[23034]} به العقول فلا تصل{[23035]} إليه{[23036]} إلا بالرسل ، ذكره بعدهم فقال : { واليوم الآخر } أي الذي أخبرت به رسله ، وقضت به العقول الصحيحة وإن كانت لا تستقل{[23037]} بإدراكه قبل تنبيه الرسل لها عليه ، وهو روح الوجود وسره وقوامه وعماده ، فيه تكشف{[23038]} الحقائق وتجمع الخلائق ، ويظهر شمول العلم وتمام القدرة و{[23039]}يبسط ظل{[23040]} العدل وتجتني{[23041]} ثمرات الفضل { فقد ضل } وأبلغ في التأكيد لكثرة المكذبين فقال : { ضلالاً بعيداً * } أي لا حيلة في رجوعه معه .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) .
يأمر الله المؤمنين أن تعي قلوبهم وأذهانهم معاني العقيدة من حيث أركانها وفروعها وأجزاؤها ومقتضياتها وهم إن كانوا كذلك فلا جرم أنهم صائرون إلى الدرجات العلى من الإيمان . ولعل من يظن أن خطاب الله للمؤمنين وأمرهم فيه بالإيمان يتضمن شيئا من تكرار . وذلك ظن غير صحيح ، فليس في الخطاب من تكرار ولا هو تحصيل لحاصل ، ولكنه تأكيد للمؤمنين على الالتزام بقواعد الإيمان على أكمل وجه وترويض لهم على استلهام العقيدة استلهاما يلج بهم رياض الصالحين والأبرار .
وأركان العقيدة التي يوجب الخطاب أن تتركز في القلب والذهن هي : الإيمان بالله إلها خلقا منشئا من العدم ، إلها يدين له العباد بالخضوع والامتثال والطاعة . ثم الإيمان برسوله الأمين ( ص ) وهو صاحب المحجة البيضاء ومعلّم البشرية ما فيه صلاحها وسعادتها في المحيا وبعد الممات وهو عليه الصلاة والسلام قائد المؤمنين إلى الجنة حيث النعيم المقيم . ثم الملائكة وهم عباد مكرمون أطهار ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) ثم الكتب المقدسة المنزلة من السماء التي يحوي كل منها بين دفّتين هدى وبشرى وفيه من العناية بالإنسان ما يسلك به سواء السبيل وما يلج به حومة الفوز والنجاة .
وكذلك اليوم الآخر وهو يوم عصيب مزلزل حقا . إنه يوم تتزلزل فيه الحياة والأحياء جميعا ويرتج فيه الكون والكائنات كافة لهول الموقف العسير المدمر الذي تقف فيه الخلائق ذاهلة واجمة حائرة تنتظر الحساب وتنتظر من الله فصل الخطاب . ذلكم هو يوم القيامة .
وقوله : ( والكتاب الذي نزل على رسوله ) المقصود به القرآن ، فقد نزله الله منجما مفرقا . وقوله : ( والكتاب الذي أنزل من قبل ) يقصد بالكتاب مجموعة الكتب السماوية التي نزلت على المرسلين قبل نبي الإسلام عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين . وقوله : ( أنزل ) معناه نزل دفعة واحدة من غير تنجيم خلافا للقرآن فقد نزل بحسب الحاجة والوقائع طيلة فترة البعثة الطاهرة ، فكان ذلك أرسخ للدين في العقول والقلوب ، وأمكن له في النفس وفي واقع البشر . وتلك حقيقة لا مراء فيها ، حقيقة ينطق بها التاريخ والضمير وما قدّمته أمة الإسلام للبشرية من عطاء هائل في كل ميادين الحياة .
وقوله : ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) هذه أركان العقيدة التي لا يصح إيمان امرئ إلا إذا استيقنتها نفسه . هي أركان تقوم من الدين مقام الركائز والأساسيات التي ينهض عليها بنيان الدين كلّه مع الاعتبار بأن ثمة ركنا سادسا هاما لا مفر للعبد من استيقانه ألا وهو القضاء والقدر .
إن هذه الركائز والأساسيات تأتي متتامة متكاملة ولا بد من الإيمان بها جميعها ؛ لأنها بمجموعها وحدة متماسكة واحدة من العقيدة الثابتة المكينة التي لا تقبل التجزئة والتنجيم . ولا يعني أحدا إيمانه إذا ما آمن ببعض هذه الأركان وكفر ببعض ، كأن يؤمن بالله وحده من غير إيمان ببقية الأركان ، أو أن يؤمن بمعظم هذه الأركان ثم يكذّب بأحدها مثل يوم القيامة أو القضاء والقدر ، فلا جرم أن يكون ذلك كفرا بواحا يدمغ صاحبه بوصمة الجحود ليهوي به في جهنم . وذلك الذي قال عنه سبحانه : ( فقد ضل ضلالا بعيدا ) أي بعد عن صراط الله المستقيم وكان مع التائهين الذاهلين الذين ضلّوا الطريق وأوغلوا في الضلالة والعمه والبعد .