الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ} (20)

قوله تعالى : " فوسوس لهما الشيطان " أي إليهما . قيل : داخل الجنة بإدخال الحية إياه وقيل : من خارج ، بالسلطنة{[7045]} . التي جعلت له . والوسوسة : الصوت الخفي . والوسوسة : حديث النفس ، يقال : وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا ( بكسر الواو ) . والوسواس ( بالفتح ) : اسم ، مثل الزلزال . ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلي : وسواس . قال الأعشى :

تَسْمَعُ للحَلْيِ وسواسًا إذا انصرفَتْ *** كما اسْتَعَان بريحٍ عِشْرَقٌ زَجِلُ{[7046]}

والوسواس : اسم الشيطان ، قال الله تعالى : " من شر الوسواس الخناس{[7047]} " [ الناس : 4 ] . " ليبدي لهما " أي ليظهر لهما . واللام لام العاقبة ، كما قال : " ليكون لهم عدوا وحزنا{[7048]} " [ القصص : 8 ] . وقيل : لام كي . " ما ووري عنهما " أي ستر وغطي عنهما . ويجوز في غير القرآن أوري ، مثل أقتت و " من سوآتهما " من عوراتهما{[7049]} وسمي الفرج عورة لأن إظهاره يسوء صاحبه . ودل هذا على قبح كشفها فقيل : إنما بدت سوآتهما لهما لا لغيرهما ، كان عليهما نور{[7050]} لا ترى عوراتهما فزال النور . وقيل : ثوب ، فتهافت{[7051]} ، والله أعلم . " إلا أن تكونا ملكين " " أن " في موضع نصب ، بمعنى إلا كراهية أن ، فحذف المضاف . هذا قول البصريين . والكوفيون يقولون : لئلا تكونا . وقيل : أي إلا ألا تكونا ملكين تعلمان الخير والشر . وقيل : طمع آدم في الخلود ؛ لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة . قال النحاس : وبين الله عز وجل فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن ، فمنها هذا ، وهو " إلا أن تكونا ملكين " . ومنه " ولا أقول إني ملك{[7052]} " [ هود : 31 ] . ومنه " ولا الملائكة المقربون{[7053]} " [ النساء : 172 ] . وقال الحسن : فضل الله الملائكة بالصور . والأجنحة والكرامة . وقال غيره : فضلهم جل وعز بالطاعة وترك المعصية ؛ فلهذا يقع التفضيل في كل شيء . وقال ابن فورك : لا حجة في هذه الآية ؛ لأنه يحتمل أن يريد ملكين في ألا يكون لهما شهوة في طعام . واختيار ابن عباس والزجاج وكثير من العلماء تفضيل المؤمنين على الملائكة ، وقد مضى في " البقرة " {[7054]} وقال الكلبي : فضلوا على الخلائق كلهم ، غير طائفة من الملائكة : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ؛ لأنهم من جملة رسل الله . وتمسك كل فريق بظواهر من الشريعة ، والفضل بيد الله . وقرأ ابن عباس " ملكين " بكسر اللام ، وهي قراءة يحيى بن أبي كثير{[7055]} والضحاك . وأنكر أبو عمرو بن العلاء كسر اللام وقال : لم يكن قبل آدم صلى الله عليه وسلم ملك فيصيرا ملكين . قال النحاس : ويجوز على هذه القراءة إسكان اللام ، ولا يجوز على القراءة الأولى لخفة الفتحة . قال ابن عباس : أتاهما الملعون من جهة الملك ؛ ولهذا قال : " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى{[7056]} " [ طه : 120 ] . وزعم أبو عبيد أن احتجاج يحيى بن أبي كثير بقوله : " وملك لا يبلى " حجة بينة ، ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها . قال النحاس : " إلا أن تكون مَلِكين " قراءة شاذة . وقد أنكر على أبي عبيد هذا الكلام ، وجعل من الخطأ الفاحش . وهل يجوز أن يتوهم آدم عليه السلام أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة ، وهو غاية الطالبين . وإنما معنى " وملك لا يبلى " المقام في ملك الجنة ، والخلود فيه .


[7045]:في ج: بالشيطنة.
[7046]:العشرق (كزيرج) شجر قدر ذراع له حب صغار إذا جف صوت بمر الريح.
[7047]:راجع ج 20 ص 261.
[7048]:راجع ج 13 ص 252
[7049]:من ج وك وى
[7050]:النور (بفتح النون): الزهر.
[7051]:تهافت: تساقط
[7052]:راجع ج 9 ص 25.
[7053]:راجع ج 6 ص 26
[7054]:راجع ج 1 ص 289
[7055]:من ب وع وز.
[7056]:راجع ج 11 ص 254
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ} (20)

ثم سبب عن ذلك بيان حال الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه ، وأنه وقع على كثير من مراده واستغوى منه أمماً تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد ؛ ثم بين أنه أقل من أن يكون له فعل ، وأن الكل بيده سبحانه ، هو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم ، وأن [ من-{[32056]} ] يهد الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ، فقال : { فوسوس{[32057]} } أي ألقى في خفاء وتزيين وتكرير{[32058]} واشتهاء { لهما الشيطان } أي{[32059]} بما مكنه الله منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم{[32060]} ويلقى له في خفاء ما يميل به قلبه إلى ما يريد ؛ ثم بين علة الوسوسة بقبوله : { ليبدي } أي يظهر { لهما ما وري } أي ستر وغطي بأن جعل كأنه وراءهما لا يلتفتان إليه { عنهما } والبناء للمفعول إشارة إلى أن الستر بشيء لا كلفة عليهما فيه كما يأتي في قوله ينزع عنهما لباسهما }[ الأعراف : 27 ] و { من سوءاتهما } أي المواضع التي يسوءهما انكشافها ، وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب للعبد من الجنة وأن بينهما منفية الجمع{[32061]} وكمال التباين .

ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهماً أنه أمر كبير وخداع طويل ، عطف عليه قوله : { وقال } أي في{[32062]} وسوسته أيضاً ، أي زين{[32063]} لهما ما حدث بسببه في خواطرهما هذا القول : { ما نهاكما } وذكرهما بوصف الإحسان تذكيراً بإكرامه لهما تجزئة لهما على ما يريد منهما فقال : { ربكما } أي المحسن إليكما بما تعرفانه من أنواع إحسانه { عن } أي ما جعل نهايتكما في{[32064]} الإباحة للجنة متجاوزة عن { هذه الشجرة } جمع بين الإشارة والاسم زيادة في الاعتناء بالتنصيص { إلا أن } أي كراهية أن { تكونا ملكين } أي في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم { أو تكونا } أي بما يصير لكما{[32065]} من الجبلة { من الخالدين* } أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلاً .


[32056]:- زيد من ظ.
[32057]:- في ظ: فسوف- كذا.
[32058]:- زيد من ظ.
[32059]:- زيد من ظ.
[32060]:- سقط من ظ.
[32061]:- في ظ: الجنة.
[32062]:- زيد من ظ.
[32063]:-سقط من ظ.
[32064]:- في ظ: عن.
[32065]:- من ظ، وفي الأصل: بكما.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ} (20)

قوله : { فوسوس لهما الشطان ليبدي لهما ما وري عنهما من سوآتهما } .

الوسوسة ، الصوت الخفي ، وحديث النفس بما لا نفع فيه ولا خير . والوسواس اسم الشيطان{[1354]} . والمعنى : أن إبليس بما أوتي من قدرة ذاتية على التزيين والتغرير والإيحاء للنفس من داخلها بما يغريها ويغويها قد ألقى وسوسته لآدم وزوجه لكي يغويهما بعصيانهما أمر ربهما . فقد وسوس إبليس لهما { ليبدي لهما ما روي عنهما من سوآتهما } السوءات جمع سوأة ، وهي العورة ويراد بها الفرج ، لأن ظهوره يسوء صاحبه . واللام لم كي ؛ أي لكي يظهر لهما ما غطي أو ستر من عوراتهما . وكانت عوراتهما مستورة بنور الله ، فلما عصيا زال عنهما النور فانكشفت عوراتهما .

قوله : { وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين } ذلك من تغرير إبليس وخداعه لآدم وزوجه . فإن إبليس لا يألو سبيلا أو حلية في إغواء آدم وذريته وإفسادهم . فها هو كشأنه في الإفساد والتضليل ، يراوغ آدم ويخادعه بزعمه الكاذب المكشوف أن الله ما نهاكما عن الأكل من هذه الشجرة { إلا أن تكونا ملكين } أي كراهة أن تكونا ملكين . أو لئلا تكونا ملكين تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الشهوات .

قوله : { أو تكونا من الخالدين } أي الذين لا يموتون بطبيعتهم ، أو الذين يلبثون في الجنة ماكثين خالدين .


[1354]:القاموس المحيط جـ 2 ص 267.