الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ} (78)

" فأخذتهم الرجفة " أي الزلزلة الشديدة . وقيل : كان صيحة شديدة خلعت{[7234]} قلوبهم ، كما في قصة ثمود{[7235]} في سورة " هود{[7236]} " في قصة ثمود فأخذتهم الصيحة . يقال : رجف الشيء يرجف رجفا رجفانا . وأرجفت الريح الشجر حركته . وأصله حركة مع صوت ، ومنه قوله تعالى " يوم ترجف الراجفة{[7237]} " [ النازعات : 6 ] قال الشاعر :

ولما رأيت الحج قد آن وقته *** وظلت مطايا القوم بالقوم ترجف

قوله تعالى : " فأصبحوا في دارهم " أي بلدهم . وقيل : وحد على طريق الجنس ، والمعنى : في دورهم . وقال في موضع آخر : " في ديارهم " [ هود : 67 ] أي في منازلهم . " جاثمين " أي لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم ، كما يجثم الطائر . أي صاروا خامدين من شدة العذاب . وأصل الجثوم للأرنب وشبهها ، والموضع مجثم . قال زهير :

بها العين والآرام يمشين خلفة *** وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم{[7238]}

وقيل : احترقوا بالصاعقة فأصبحوا ميتين ، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله ، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه .


[7234]:في ب: تقطعت.
[7235]:من ج و ز و ك و ى.
[7236]:راجع ج 9 ص 59.
[7237]:راجع ج 19 ص 188.
[7238]:العين (بكسر أوله) : البقر واحدها أعين وعيناء. والآرام: الظباء والأطلاء، أولادها ؛ الواحد طلا. وخلقة : فوج بعد فوج وقيل: مختلفة هذه مقلبة وهذه مدبرة وهذه صاعدة وهذه نازلة (عن شرح المعلقات).
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ} (78)

ثم سبب عن عتوهم{[32608]} قوله : { فأخذتهم الرجفة } أي التي كانت عنها أو منها الصيحة ، أخذ من هو في القبضة على غاية من الصغار والحقارة ، ولعل توحيد الدار هنا مع الرجفة في قصة صالح وشعيب عليهما السلام في قوله تعالى : { فأصبحوا في دارهم } أي مساكنهم ، وجمعها في القصتين مع الصيحة ، في سورة هود عليه السلام للإشارة إلى عظم الزلزلة والصيحة في الموضعين ، وذلك لأن الزلزلة إذا كانت في شيء واحد كانت أمكن ، فتكون{[32609]} في المقصود من النكال أعظم ، والصيحة من شأنها الانتشار ، فإذا عمت الأماكن المتنائية والديار المتباعدة فأهلكت أهلها ومزقت جماعتها وفرقت شملها ، كانت من القوة المفرطة والشدة البالغة بحيث تنزعج{[32610]} من تأمل وصفها النفوس وتجب له القلوب ، وحاصله أنه حيث عبر بالرجفة وحد الدار إشارة إلى شدة العذاب بعظم الاضطراب ، وحيث عبر بالصيحة جمع إيماء إلى عموم الموت بشدة الصوت ، ولا مخالفة لأن عذابهم كان بكل منهما ، ولعل إحداهما كانت سبباً للأخرى{[32611]} ، ولعل المراد بالرجفة اضطراب القلوب اضطراباً قطعها ، أو أن الدار رجفت فرجفت القلوب وهو أقرب ، وخصت{[32612]} الأعراف بما ذكر فيها ، لأن مقصودها إنذار المعرضين ، والرجفة أعظم قرعاً لعدم الإلف لها - والله اعلم { جاثمين* } أي باركين على ركبهم لازمين أماكنهم لا حراك بأحد منهم ، ولم يبق منهم في تلك الساعة أحد{[32613]} إلا رجل واحد كان في الحرم ، فلما خرج منه أصابه ما أصاب قومه وهو أبو رغال{[32614]} ، ومسافة الحرم عن أرضهم تزيد على مسيرة{[32615]} عشرة أيام ، ومن الآيات العظيمة أن ذلك الذي خلع{[32616]} قلوبهم وأزال أرواحهم لم يؤثر في صالح عليه السلام والمستضعفين معه شيئاً ، وذلك مثل الريح التي{[32617]} زلزلت الأحزاب ، وأنالتهم أشد العذاب ، ورمتهم بالحجارة والتراب حتى هزمتهم وما نال{[32618]} النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها{[32619]} كبير أذى ، وكفها الله عن حذيفة ، وكذا البرد الذي كان ذلك زمانه لما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم ليتعرف{[32620]} له أخبارهم .


[32608]:- في ظ: عقرهم.
[32609]:- من ظ، وفي الأصل: فيكون.
[32610]:- من ظ، وفي الأصل: ينزع- كذا.
[32611]:- من ظ، وفي الأصل: للآخر.
[32612]:- في ظ: مضت.
[32613]:- سقط من ظ.
[32614]:- من ظ والمعالم، وفي الأصل: أبو ردال.
[32615]:- من ظ، وفي الأصل: مسير.
[32616]:- زيد من ظ.
[32617]:- من ظ، وفي الأصل: الذي.
[32618]:- في ظ: المصطفى.
[32619]:- سقط من ظ.
[32620]:- في ظ: ليعرف.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ} (78)

قوله : { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } الرجفة تعني الزلزلة{[1460]} وجاثمين ، من الجثوم وهو لزوم المكان . جثم جثوما إذا لزم مكانه فلم يبرحه أو لصق بالأرض فهو جاثم{[1461]} لقد أخذت الرجفة هؤلاء الضالين الظالمين ، وهي الزلزلة . وقيل : الصحية ؛ إذ تقطعت منها قلوبهم حتى هلكوا { فأصبحوا في دارهم جاثمين } أي هامدين صرعى لا حياة فيهم ولا حراك{[1462]} .


[1460]:المعجم الوسيط جـ 1 ص 332.
[1461]:المعجم الوسيط جـ 1ص 107 والمصباح المنير جـ 1 ص 99.
[1462]:تفسير الطبري جـ 8 ص 160- 164 وتفسير الرازي جـ 14 ص 173 وروح المعاني جـ 8 ص 160- 165.