الأولى : قوله تعالى : " وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة " قرأ أبو عمرو " وعدنا " بغير ألف ، واختاره أبو عبيد ورجحه وأنكر " واعدنا " قال : لأن المواعدة إنما تكون من البشر ، فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد . على هذا وجدنا القرآن ، كقوله عز وجل : " وعدكم وعد الحق{[746]} " ( إبراهيم : 22 ) وقوله : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات{[747]} " ( الفتح : 29 ) وقوله : " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " [ الأنفال : 7 ] .
قال مكي : وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه وعد من الله تعالى لموسى ، وليس فيه وعد من موسى ، فوجب حمله على الواحد ؛ لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر ، وبه قرأ قتادة وابن أبي إسحاق . قال أبو حاتم : قراءة العامة عندنا " وعدنا " بغير ألف ، لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين ، كل واحد منهما يَعِد صاحبه . قال الجوهري : الميعاد : المواعدة والوقت والموضع . قال مكي : المواعدة أصلها من اثنين ، وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب ، قالوا : طارقت النعل ، وداويت العليل ، وعاقبت اللص ، والفعل من واحد . فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا ، فتكون القراءتان بمعنى واحد . والاختبار " واعدنا " بالألف لأنه بمعنى " وعدنا " في أحد معنييه ؛ ولأنه لا بدّ لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة . قال النحاس : وقراءة " واعدنا " بالألف أجود وأحسن ، وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي ، وليس قوله عز وجل : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات " من هذا في شيء ، لأن " واعدنا موسى " إنما هو من باب الموافاة ، وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء ، وإنما هو من قولك : موعدك يوم الجمعة ، وموعدك موضع كذا . والفصيح في هذا أن يقال : واعدته . قال أبو إسحاق الزجاج : " واعدنا " ههنا بالألف جيد ؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة ، فمن الله جل وعز وعد ، ومن موسى قبول واتباع يجري مجرى المواعدة . قال ابن عطية . ورجح أبو عبيدة " وعدنا " وليس بصحيح ، لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة .
الثانية : قوله تعالى : " موسى " اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف والقبط على - ما يروى - يقولون للماء : مو ، وللشجر : شا{[748]} . فلما وجد موسى في التابوت عند ماء وشجر سمي موسى . قال السدي : لما خافت عليه أمه جعلته في التابوت وألقته في اليَمّ - كما أوحى الله إليها - فألقته في اليم بين أشجار عند بيت فرعون ، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدنه ، فسمي باسم المكان . وذكر النقاش وغيره : أن اسم الذي التقطته صابوث . قال ابن إسحاق : وموسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب إسرائيل الله{[749]} بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام .
الثالثة : قوله تعالى : " أربعين ليلة " أربعين نصب على المفعول الثاني ، وفي الكلام حذف . قال الأخفش : التقدير وإذ واعدنا موسى تمام أربعين ليلة كما قال " واسأل القرية " والأربعون كلها داخلة في الميعاد .
والأربعون في قول أكثر المفسرين ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأل قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة فعدوا - فيما ذكر المفسرون - عشرين يوما وعشرين ليلة وقالوا قد أخلفنا موعده . فاتخذوا العجل وقال لهم السامري : هذا إلهكم وإله موسى فاطمأنوا إلى قوله . ونهاهم هارون وقال : " يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى{[750]} " [ طه : 90 ] فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفا فيما روي في الخبر . وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد ، وهو الحلال والحرام وما يحتاجون وأحرق العجل وذراه في البحر فشربوا من مائه حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة وورمت بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون أن يقتلوا أنفسهم فذلك قوله تعالى : " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم " [ البقرة : 54 ] فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لدن طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى ، فقتل بعضهم بعضا لا يسأل والد عن ولده ولا ولد عن والده ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحد كل من استقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله حتى عج موسى إلى الله صارخا : يا رباه قد فنيت بنو إسرائيل فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله فقبل توبة من بقي وجعل من قتل في الشهداء على ما يأتي .
الرابعة : إن قيل : لم خص الليالي بالذكر دون الأيام ؟ قيل له : لأن الليلة أسبق من اليوم قبله في الرتبة ؛ ولذلك وقع بها التاريخ فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها .
الخامسة : قال النقاش : في هذه الآية إشارة إلى صلة الصوم ؛ لأنه تعالى لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل ، فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين يوما بلياليها . قال ابن عطية : سمعت أبي يقول : سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهري رحمه الله يعظ الناس في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه ، وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ويقول : أين حال موسى في القرب من الله ، ووصال ثمانين من الدهر من قول حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم " آتنا غداءنا " [ الكهف : 62 ] . قلت : وبهذا استدل علماء الصوفية على الوصال ، وأن أفضله أربعون يوما ، وسيأتي الكلام في الوصال في آي الصيام{[751]} من هذه السورة إن شاء الله تعالى ويأتي في " الأعراف{[752]} " زيادة أحكام لهذه الآية عند قوله تعالى " وواعدنا موسى ثلاثين ليلة " [ الأعراف : 142 ] ويأتي لقصة العجل بيان في كيفيته وخواره هناك وفي " طه{[753]} " إن شاء الله تعالى .
السادسة : قوله تعالى : " ثم اتخذتم العجل من بعده " أي اتخذتموه إلها من بعد موسى وأصل اتخذتم ائتخذتم من الأخذ ووزنه افتعلتم سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء إيتخذتم ، فاضطربت الياء في التصريف جاءت ألفا في ياتخذ وواوا في موتخذ ، فبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت ، ثم اجتلبت ألف الوصل للنطق ، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير كقوله تعالى " قل اتخذتم عند الله عهدا " [ البقرة : 80 ] فاستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير قال الشاعر{[754]} :
استحدث الركب عن أشياعهم خبرا*** أم راجع القلبَ من أطرابه طربُ
ونحوه في القرآن " أطلع الغيب " [ مريم : 78 ] " أصطفى البنات " [ الصافات : 153 ] " أستكبرت أم كنت " [ ص : 75 ] ومذهب أبي علي الفارسي أن " اتخذتم " من تخذ لا من أخذ .
قوله تعالى : " وأنتم ظالمون " جملة في موضع الحال وقد تقدم معنى الظلم{[755]} والحمد لله .
ولما كان{[2349]} فرق البحر للإبقاء البدني وكان إنزال الكتاب للإبقاء الديني عقبه به ، وكان الطبع السليم والمزاج المستقيم يقتضي إحسان العمل زمن{[2350]} المواعدة واستعطاف المواعدة والترفق له والتملق{[2351]} بما تحقق الرجاء في إنجاز وعده ، لا سيما بعد بليغ إحسانه بالإنجاء من العدو وإهلاكه ؛ نعى عليهم عملهم بخلاف ذلك بقوله{[2352]} : { وإذ } .
و{[2353]}قال الحرالي : لما ذكّرهم تعالى بأمر الوفاء بالعهد الذي هو خاتمة أمرهم وبالتفصيل الذي كان بادية أمرهم ، نظم ذلك بالأمر المتوسط بين الطرفين الذي أعلاه مواعدة موسى {[2354]}عليه السلام{[2355]} ربه الذي النعمة عليه نعمة عليهم ، فقال : وإذ { واعدنا }{[2356]} من الوعد وهو الترجية بالخير ، وواعدنا من المواعدة وهي التقدم في اللقاء والاجتماع والمفاوضة ونحوه .
{ موسى } كلمة معربة من لفظ العبراني بما تفسيره فيما يقال ماء وشجر ، سمي{[2357]} به لما أودع فيه من التابوت المقذوف في اليم .
{ أربعين ليلة } هي كمال وقت الليل والليل وقت انطماس المدركات الظاهرة - انتهى .
{[2358]}وخص الليل{[2359]} بالذكر إشارة إلى أن ألذ المناجاة فيه ، وإلى أنه لا نوم في تلك المدة بل المناجاة عامة لليلها ونهارها ، وانتصب أربعين بوقوعه موقع المفعول الثاني لوعدنا أي انقضاء أربعين أي الكلام أو إنزال التوراة عند انقضاء الأربعين{[2360]} ، وهي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل ذو الحجة وعشر من المحرم .
قال الحرالي : وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات حبس النفس عما به قوامها وكمال ذلك إنما هو الصوم وكمال العدد الذي هو طور{[2361]} مصير من حال إلى حال هو الأربعون . وذكر الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته صباح من{[2362]} ظلمة الكون في حال خصوص الخلقة من حيث إن الظلمة آية على فوت مرام نور الحق والنهار آية على ظهور نور الحق وأول بادٍ بدأ من الحق للخلق كلامه لمصطفى من خلقه بغير واسطة وهو بعد في دنياه وفي أرضه التي كانت سجناً ، فلما جاءها الحق لعبد من عبيده{[2363]} مناجياً له كما يأتيها يوم الجزاء بعد البعث صارت موطن رحمة وهدى ونور وهو مجيء الله سبحانه من سيناء المذكور في الكتاب الأول - انتهى .
وهذا دون قصة المعراج التي كانت لنبينا صلى الله عليه وسلم في اختراق السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى وسمع الكلام من غير واسطة ورجع إلى بيته في ليلته وقد قطع من المسافات ما مسيرته خمسون ألف سنة كما سأبينه إن شاء الله تعالى في سورة السجدة .
ولما كانت الأنفس الأبيّة والهمم العلية تقتضي النفرة من الظالم{[2364]} والأنفة من كل ما ينسب إليه ويذكّر به ، وكانوا قد اتخذوا من آثار آل فرعون من حليهم ما دخلوا في رقه وعبوديته ، وكانت مشاهدتهم لما رأوا من الآيات مقتضية لغاية البعد من الكفر ؛ عبر عن مواقعتهم له بثم فقال : { ثم اتخذتم } ، قال الحرالي : من الاتخاذ وهو افتعال مما منه المواخذة كأنه الوخذ ، وهو تصيير في المعنى نحو الأخذ في الحس ، وفيه تكلف .
{ العجل } وذكر في هذا التقرير أصل المواعدة وذكر الميقات وتجاوز الخطاب ما بعد ذلك {[2365]}من مهل{[2366]} حسب ما تفهمه كلمة ثم ، فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير ، ثم تعقبوا ذلك بالتزام عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى عمل من لا عقل له{[2367]} ولا بقية نظر له من اتخاذ جسد عجل إلهاً بعد معرفة آثار الإلهية على الغيب ، ففيه تعجيب من أن موسى {[2368]}عليه السلام{[2369]} إنما واعده الله بالمناجاة بعد ميقات أربعين صوماً ونسكاً وتحنثاً{[2370]} وانقطاعاً إلى ربّه ، ثم يرونهم أنهم شهدوا الإله{[2371]} مصوراً محسوساً على أن موسى الذي ناجاه ربّه منع الرؤية فكيف بهم{[2372]} وذلك هو ظلمهم ، فوضعوا الإله محل الشيء المحسوس ، وهو تعالى قد تعالى عن أن يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه وإنما ناجاه بعد ميقاته ، وهم يهمون في تألّه مرئي من غير مواعدة ولا اختصاص ! وفي قوله تعالى { من بعده } أي من بعد إتيانه لميعادنا{[2373]} إضمار لذكر{[2374]} موسى عليه السلام ، تقريراً لما كان ينبغي أن يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم به موسى{[2375]} من فوائد المناجاة ، كما يكون من تعلق قلبه بمن هو قدوته{[2376]} ، والبعد بعد عن حد يتخذ{[2377]} مبدأ ليكون سابقه قبل ولاحقه بعد{[2378]} - انتهى .
{[2379]}واثبات الجار لأن اتخاذهم ذلك لم يستغرق زمان البعد{[2380]} .
{ وأنتم ظالمون } فاعلون فعل من هو في أظلم الظلام بعد أنجاءكم موسى{[2381]} بالنور المبين .