الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ} (57)

قوله تعالى : " وتالله لأكيدن أصنامكم " أخبر أنه لم يكتف بالمحاجة باللسان بل كسر أصنامهم فعل واثق بالله تعالى ، موطن نفسه على مقاساة المكروه في الذب عن الدين . والتاء في " تالله " تختص في القسم باسم الله وحده ، والواو تختص بكل مظهر ، والباء بكل مضمر ومظهر . قال الشاعر{[11282]} :

تالله يَبْقَى على الأيام ذُو حِيَدٍ *** بِمُشْمَخِرٍّ بهِ الظَّيَّانُ والآسُ

وقال ابن عباس : أي وحرمة الله لأكيدن أصنامكم ، أي لأمكرن بها . والكيد المكر . كاده يكيده كيدا ومكيدة ، وكذلك المكايدة ، وربما سمي الحرب كيدا ، يقال : غزا فلان فلم يلق كيدا ، وكل شيء تعالجه فأنت تكيده . " بعد أن تولوا مدبرين " أي منطلقين ذاهبين . وكان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه ، فقالوا لإبراهيم : لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا - روي ذلك عن ابن مسعود على ما يأتي بيانه في " والصافات " {[11283]} - فقال إبراهيم في نفسه : " وتالله لأكيدهم أصنامكم " . قال مجاهد وقتادة : إنما قال ذلك إبراهيم في سر من قومه ، ولم يسمعه إلا رجل . واحد وهو الذي أفشاه عليه والواحد يخبر عنه بخبر الجمع إذا كان ما أخبر به مما يرضى به غيره ومثله " يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل{[11284]} " [ المنافقون : 8 ] . وقيل : إنما قاله بعد خروج القوم ، ولم يبق منهم إلا الضعفاء فهم الدين سمعوه . وكان إبراهيم احتال في التخلف عنهم بقوله : " إني سقيم " {[11285]} [ الصافات : 89 ] أي ضعيف عن الحركة .


[11282]:هو مالك بن خالد الخناعي الهذلي. وحيد هنا (كعنب): كل نتوء في الجبل. والمشمخر: الجبل العالي. والظيان: ياسمين البر. والمعنى: لا يبقى.
[11283]:راجع جـ 15 ص 94.
[11284]:راجع جـ 18 ص 129.
[11285]:راجع جـ 15 ص 94.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ} (57)

ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق ، أتبعه البرهان على إبطال الباطل فقال{[51171]} : { وتالله } {[51172]}وهو القسم ، والأصل في القسم الباء الموحدة ، والواو بدل منها ، والتاء بدل من الواو ، وفيها - مع كونها بدلاً - زيادة على التأكيد بالتعجب{[51173]} : قال الأصبهاني : كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده - انتهى . وفيها أيضاً أنها تدل على رجوع التسبب باطناً ، فكأنها إشارة إلى أنه بعد{[51174]} أن تسبب في ردهم عن عبادتها ظاهراً بما خاطبهم{[51175]} به ، تسبب من ذلك ثانياً باطناً{[51176]} بإفسادها { لأكيدن } {[51177]}أكد لأنه مما ينكر لشدة عسره ؛ والكيد : الاحتيال{[51178]} في الضرر { أصنامكم } أي هذه التي عكفتم عليها ناسين الذي خلقكم وإياها ، أي لأفعلن بها ما يسوءكم بضرب من الحيلة .

{[51179]}ولما كان عزمه على إيقاع الكيد في جميع الزمان الذي يقع فيه توليهم في أيّ جزء تيسر له منه ، أسقط الجارّ فقال{[51180]} : { بعد أن تولوا } أي {[51181]}توقعوا التولي{[51182]} عنها ، {[51183]}وحقق مراده بقوله{[51184]} : { مدبرين* } لأنزلكم من الدليل العقلي على تحقيق الحق إذ لم تكونوا من أهله إلى الدليل الحسي على إبطال الباطل .


[51171]:زيد من ظ ومد.
[51172]:العبارة من هنا إلى "بإفسادها" ساقطة من ظ.
[51173]:في مد: بالتعجيب.
[51174]:من مد، وفي الأصل: يبعد.
[51175]:في مد: خالطهم.
[51176]:زيد من مد.
[51177]:العبارة من هنا إلى "في الضرر" ساقطة من ظ.
[51178]:من مد، وفي الأصل: الاختيار.
[51179]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51180]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51181]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51182]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51183]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[51184]:سقط ما بين الرقمين من ظ