الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (70)

قوله تعالى : " إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا " لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني . واختلفوا في القاتل من المسلمين على ما تقدم بيانه في " النساء " {[12172]} ومضى في " المائدة " {[12173]} القول في جواز التراخي في الاستثناء في اليمين ، وهو مذهب ابن عباس مستدلا بهذه الآية .

قوله تعالى : " فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " قال النحاس : من أحسن ما قيل فيه أنه يكتب موضع كافر مؤمن ، وموضع عاص مطيع . وقال مجاهد والضحاك : أن يبدلهم الله من الشرك الإيمان وروي نحوه عن الحسن . قال الحسن : قوم يقولون التبديل في الآخرة ، وليس كذلك ، إنما التبديل في الدنيا ، يبدلهم الله إيمانا من الشرك ، وإخلاصا من الشك ، وإحصانا من الفجور . وقال الزجاج : ليس بجعل مكان السيئة الحسنة ، ولكن بجعل مكان السيئة التوبة ، والحسنة مع التوبة . وروى أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن السيئات تبدل بحسنات ) . وروي معناه عن سلمان الفارسي وسعيد بن جبير وغيرهما . وقال أبو هريرة : ذلك في الآخرة فيمن غلبت حسناته على سيئاته ، فيبدل الله السيئات حسنات . وفي الخبر : ( ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات ) فقيل : ومن هم ؟ قال : ( الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات ) . رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره الثعلبي والقشيري . وقيل : التبديل عبارة عن الغفران ، أي يغفر الله لهم تلك السيئات لا أن يبدلها حسنات .

قلت : فلا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة ، وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ( أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) . وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال : عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ، فيقول : نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق في كبار ذنوبه أن تعرض عليه فيقال له : فإن لك مكان كل سيئة حسنة فيقول يا رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا ) فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه . وقال أبو طويل{[12174]} : يا رسول الله ، أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئا ، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا اقتطعها فهل له من توبة ؟ قال : ( هل أسلمت ) ؟ قال : أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أنك عبد الله ورسوله . قال ( نعم . تفعل الخيرات وتترك السيئات يجعلهن الله كلهن خيرات ) . قال : وغدراتي وفجراتي يا نبي الله ؟ قال : ( نعم ) . قال : الله أكبر ! فما زال يكررها حتى توارى . ذكره الثعلبي . قال مبشر بن عبيد ، وكان عالما بالنحو والعربية : الحاجة التي تقطع على الحاج إذا توجهوا . والداجة التي تقطع عليهم إذا قفلوا . " وكان الله غفورا رحيما " .


[12172]:راجع ج 5 ص 332 وما بعدها طبعة أولى أو ثانية.
[12173]:راجع ج 6 ص 273 طبعة أولى أو ثانية.
[12174]:أبو طويل: كنية شطب الممدود، رجل من كندة.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (70)

ولما أتم سبحانه تهديد الفجار ، على هذه الأوزار ، أتبعه ترغيب الأبرار ، في الإقبال على الله العزيز الغفار ، فقال : { إلا من تاب } أي رجع إلى الله عن شيء مما كان فيه من هذه النقائص { وآمن } أي أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل بدونه وهو الإيمان ، أو أكد وجوده { وعمل } . ولما كان الرجوع عنه أغلظ ، أكد فقال : { عملاً صالحاً } أي مؤسساً على أساس الإيمان ؛ ثم زاد في الترغيب بالإتيان بالفاء ربطاً للجزاء بالشرط دليلاً على أنه سببه فقال : { فأولئك } أي العالو المنزلة { يبدل الله } وذكر الاسم الأعظم تعظيماً للأمر وإشارة إلى أنه سبحانه لا منازع له { سيئاتهم حسنات } أي بندمهم على تلك السيئات ، لكونها ما كانت حسنات فيكتب لهم ثوابها بعزمهم الصادق على فعلها لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا ، بحيث إذا رأى أحدهم تبديل سيئاته بالحسنات تمنى لو كانت سيئاته أكثر ! وورد أن بعضهم يقول : رب ! إن لي سيئات ما رأيتها - رواه مسلم في أواخر الإيمان من صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه رفعه .

ولما كان هذا أمراً لم تجر العادة بمثله ، أخبر أنه صفته تعالى أزلاً وأبداً ، فقال مكرراً للاسم الأعظم لئلا يقيد غفرانه شيء مما مضى : { وكان الله } أي الذي له الجلال والإكرام على الإطلاق { غفوراً } أي ستوراً لذنوب كل من تاب بهذا الشرط { رحيماً* } له بأن يعامله بالإكرام كما يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة ؛ روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك ، لما نزل صدرها قال أهل مكة : فقد عدلنا بالله ، وقتلنا النفس التي حرم الله ، وأتينا الفواحش ، فأنزل الله{ إلا من تاب }[ الفرقان : 7 ] - إلى -{ رحيماً }[ الفرقان : 7 ] ؛ وروي عنه أيضاً أنه قال : هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء . أي على تقدير كونها عامة في المشرك وغيره ؛ وروي عنه أنه قال في آية النساء : نزلت في آخر ما نزل ، ولم ينسخها شيء .

وقد تقدم في سورة النساء الجواب عن هذا ، وكذا ما رواه البخاري عنه في التفسير : إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا ، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزل{ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون }[ الفرقان : 68 ] ونزل

{ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله }[ الزمر : 53 ] .