قوله تعالى : " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " قال الضحاك : أي مطيعين لك . وفيه جواز الدعاء بالولد وقد تقدم{[12178]} . والذرية تكون واحدا وجمعا . فكونها للواحد قوله : " رب هب لي من لدنك ذرية طيبة " " فهب لي من لدنك وليا " [ مريم : 5 ] وكونها للجمع " ذرية ضعافا " [ النساء : 9 ] وقد مضى في " البقرة " {[12179]} اشتقاقها مستوفى . وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والحسن : " وذرياتنا " وقرأ أبو عمر وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى : " وذريتنا " بالإفراد . " قرة أعين " نصب على المفعول ، أي قرة أعين لنا . وهذا نحو قوله عليه الصلاة والسلام لأنس : ( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه ) وقد تقدم بيانه في " آل عمران " {[12180]} و " مريم " . وذلك أن الإنسان إذا بورك له في مال وولده قرت عينه بأهله وعياله ، حتى إذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة أو كانت عنده ذرية محافظون على الطاعة ، معاونون له على وظائف الدين والدنيا ، لم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده ، فتسكن عينه عن الملاحظة ، ولا تمتد عينه إلى ما ترى ، فذلك حين قرة العين ، وسكون النفس . ووحد " قرة " لأنه مصدر ، تقول : قرت عينك قرة . وقرة العين يحتمل أن تكون من القرار ، ويحتمل أن تكون من القر وهو الأشهر . والقر البرد ؛ لأن العرب تتأذى بالحر وتستريح إلى البرد . وأيضا فإن دمع السرور بارد ، ودمع الحزن سخن ، فمن هذا يقال : أقر الله عينك ، وأسخن الله عين العدو . وقال الشاعر :
فكم سَخِنَتْ بالأمس عينٌ قريرةٌ *** وقرت عيونٌ دمعها اليوم ساكِبُ
قوله تعالى : " واجعلنا للمتقين إماما " أي قدوة يقتدى بنا في الخير ، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقيا قدوة ، وهذا هو قصد الداعي . وفي الموطأ : ( إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم ) فكان ابن عمر يقول في دعائه : اللهم اجعلنا من أئمة المتقين . وقال : " إماما " ولم يقل أئمة على الجمع ؛ لأن الإمام مصدر . يقال : أم القوم فلان إماما ؛ مثل الصيام والقيام . وقال بعضهم : أراد أئمة ، كما يقول القائل أميرنا هؤلاء ، يعني أمراءنا . وقال الشاعر :
يا عاذلاتي لا تزدن ملامتي *** إن العواذل لسن لي بأمير
أي أمراء . وكان القشيري أبو القاسم شيخ الصوفية يقول : الإمامة بالدعاء لا بالدعوى ، يعني بتوفيق الله وتيسيره ومنته لا بما يدعيه كل أحد لنفسه . وقال إبراهيم النخعي : لم يطلبوا الرياسة بل بأن يكونوا قدوة في الدين . وقال ابن عباس : اجعلنا أئمة هدى ، كما قال تعالى : " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا " [ السجدة : 24 ] وقال مكحول : اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون . وقيل : هذا من المقلوب ؛ مجازه : واجعل المتقين لنا إماما ، وقاله مجاهد . والقول الأول أظهر وإليه يرجع قول ابن عباس ومكحول ، ويكون فيه دليل . على أن طلب الرياسة في الدين ندب . وإمام واحد يدل على جمع ؛ لأنه مصدر كالقيام . قال الأخفش : الإمام جمع آم من أم يؤم جمع على فعال ، نحو صاحب وصحاب ، وقائم وقيام .
ولما ذكر هذه الخصلة المثمرة لما يلي الخصلة الأولى ، ختم بما ينتج الصفة الأولى . فقال مؤذناً بأن إمامة الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها : { والذين يقولون } علماً منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة : { ربنا هب لنا من أزواجنا } اللاتي قرنتها بنا كما فعلت لنبيك صلى الله عليه وسلم ، فمدحت زوجته في كلامك القديم ، وجعلت مدحها يتلى على تعاقب الأزمان والسنين { وذرياتنا قرة } ولما كان المتقون - الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها - قليلاً في جنب العاصين ، أتى بجمع القلة ونكر فقال : { أعين } أي من الأعمال أو من العمال يأتمون بنا ، لأن الأقربين أولى بالمعروف ، ولا شيء أسر للمؤمن ولا أقر لعينه من أن يرى حبيبه يطيع الله ، فما طلبوا إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم ، ف " من " إما تكون مثلها في : رأيت منك أسداً ، وإما أن تكون على بابها ، وتكون القرة هي الأعمال ، أي هب لنا منهم أعمالاً صالحة فجعلوا أعمال من يعز عليهم هبة لهم ، وأصل القرة البرد لأن العرب تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد ، فجعل ذلك كناية عن السرور { واجعلنا } أي إيانا وإياهم { للمتقين } أي عامة من الأقارب والأجانب .
ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في المتابعة واحدة ، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس ، فقالوا : { إماماً* } أي فنكون علماء مخبتين متواضعين كما هو شأن إمامة التقوى في إفادة التواضع والسكينة ، لنحوز الأجر العظيم ، إذ الإنسان له أجره وأجر من اهتدى به فعمل بعمله
" من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " وعكسه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.