الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (47)

قوله تعالى : " قالت رب " أي يا سيدي . تخاطب جبريل عليه السلام ؛ لأنه لما تمثل لها قال لها : إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا . فلما سمعت ذلك من قوله استفهمت عن طريق الولد فقالت : أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟ أي بنكاح . في سورتها{[3109]} " ولم أك بغيا " {[3110]} [ مريم : 20 ] ذكرت هذا تأكيدا ؛ لأن قولها " لم يمسسني بشر " يشمل الحرام والحلال . تقول : العادة الجارية التي أجراها الله في خلقه أن الولد لا يكون إلا عن نكاح أو سفاح . وقيل : ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئا ، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد : أمِن قِبل زوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء ؟ فروي أن جبريل عليه السلام حين قال لها : كذلك الله يخلق ما يشاء " قال كذلك قال ربك هو علي هين " [ مريم : 9 ] . نفخ في جيب درعها وكمها . قاله ابن جريج . قال ابن عباس : أخذ جبريل رُدْن{[3111]} قميصها بأصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى . وقيل غير ذلك على ما يأتي بيانه في سورتها إن شاء الله تعالى . وقال بعضهم : وقع نفخ جبريل في رحمها فعلقت بذلك . وقال بعضهم : لا يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل ؛ لأنه يصير الولد بعضه من الملائكة وبعضه من الإنس ، ولكن سبب ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأخذ الميثاق من ذريته فجعل بعض الماء في أصلاب الآباء وبعضه في أرحام الأمهات فإذا اجتمع الماءان صارا ولدا ، وأن الله تعالى جعل الماءين جميعا في مريم بعضه في رحمها وبعضه في صلبها ، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتها ؛ لأن المرأة ما لم تهج شهوتها لا تحبل ، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل وقع الماء الذي كان في صلبها في رحمها فاختلط الماءان فعلقت بذلك ، فذلك قوله تعالى : " إذا قضى أمرا " يعني إذا أراد أن يخلق خلقا " فإنما يقول له كن فيكون " وقد تقدم في " البقرة " القول فيه مستوفى{[3112]} .


[3109]:- الزيادة في نخ: ب. ود. أي في سورة مريم "ولم أك بغيا".
[3110]:- راجع جـ11 ص 91.
[3111]:- الردن (بالضم) أصل الكم.
[3112]:- راجع جـ1 ص 87.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ} (47)

وكأنها{[17101]} لما سمعت ذلك امتلأت تعجباً فاستخفها{[17102]} ذلك إلى الاستعجال{[17103]} بالسؤال قبل إكمال المقال بأن

{ قالت{[17104]} رب } أيها المحسن إلى { أنّى }{[17105]} أي من أين وكيف{[17106]} { يكون لي } ولما كان استبعادها لمطلق الحبل ، لا بقيد{[17107]} كونه ذكراً كما في قصة زكريا عليه السلام قالت{[17108]} { ولد } وقالت : { ولم يمسسني بشر } لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط{[17109]} . قال الحرالي : والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في أعلى قامته{[17110]} ، من معنى البشرة ، وهو ظاهر الجلد انتهى{[17111]} ( ولعل هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك عليه السلام أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ{[17112]} الفهم بأن { قال كذلك } أي مثل هذا الفعل{[17113]} العظيم الشأن العالي الرتبة{[17114]} يكون ما بشرتك به{[17115]} ) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من غير سبب أصلاً عبر{[17116]} في تعليل ذلك بالخلق فقال : { الله }{[17117]} أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه{[17118]} { يخلق } أي يقدر ويصنع ويخترع { ما يشاء } فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب{[17119]} فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى عليه السلام من جعل الشيخ كالشاب ، ثم علل ذلك بما بين سهولته فقال : { إذا قضى أمراً } أي جل أو قل { فإنما يقول له كن فيكون * } بياناً للكلمة .


[17101]:ن ظ ومد، وفي الأصل: كانت.
[17102]:ن ظ، وفي الأصل ومد: فاستحقها.
[17103]:ن مد، وفي الأصل وظ: الاستعجال.
[17104]:ي ظ: قال.
[17105]:ن ظ ومد، وفي الأصل تأخر عن "عليه السلام".
[17106]:ن ظ ومد، وفي الأصل تأخر عن "عليه السلام".
[17107]:ن ظ ومد، وفي الأصل : مقيد.
[17108]:يد من ظ ومد.
[17109]:يد بعده في مد: كما.
[17110]:ن مد، وفي الأصل وظ: إقامته.
[17111]:ن ظ ومد، وفي الأصل: لتقريع.
[17112]:يد من مد، وفي ظ: الفضل.
[17113]:ي ظ: العلى.
[17114]:لعبارة من هنا إلى "بالخلق فقال" متقدمة في الأصل على "ولد" وقالت".
[17115]:ي ظ: بشرك.
[17116]:ي مد وظ: وعبر.
[17117]:قطت من مد.
[17118]:قطت من مد.
[17119]:ن ظ ومد، وفي الأصل: تعجب.