قوله تعالى : " فلما أحس عيسى منهم الكفر " أي من بني إسرائيل . وأحس معناه علم ووجد قاله الزجاج . وقال أبو عبيدة : معنى " أحس " عرف ، وأصل ذلك وجود الشيء بالحاسة . والإحساس : العلم بالشيء ، قال الله تعالى : " هل تحس منهم من أحد " {[3117]} [ مريم : 98 ] والحس القتل ، قال الله تعالى : " إذ تحسونهم بإذنه " {[3118]} [ آل عمران : 152 ] . ومنه الحديث في الجراد ( إذا حسه البرد ) . " منهم الكفر " أي الكفر بالله . وقيل : سمع منهم كلمة الكفر . وقال الفراء : أرادوا قتله . " قال من أنصاري إلى الله " استنصر عليهم . قال السدي والثوري وغيرهما : المعنى مع الله ، فإلى بمعنى مع ، كقوله تعالى : " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " {[3119]} [ النساء : 2 ] أي مع . والله أعلم .
وقال الحسن : المعنى من أنصاري في السبيل إلى الله ؛ لأنه دعاهم إلى الله عز وجل . وقيل : المعنى من يضم نصرته إلى نصرة الله عز وجل . فإلى على هذين القولين على بابها ، وهو الجيد . وطلب النصرة ليحتمي بها من قومه ويظهر الدعوة ، عن الحسن ومجاهد . وهذه سنة الله في أنبيائه وأوليائه . وقد قال لوط : " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " {[3120]} [ هود : 80 ] أي عشيرة وأصحاب ينصرونني . " قال الحواريون نحن أنصار الله " أي أنصار نبيه ودينه . والحواريون أصحاب عيسى عليه السلام ، وكانوا اثني عشر رجلا ؛ قاله الكلبي وأبو رَوْق . واختلف في تسميتهم بذلك ، فقال ابن عباس : سموا بذلك لبياض ثيابهم ، وكانوا صيادين . ابن أبي نجيح وابن أرطاة : كانوا قصارين فسموا بذلك لتبييضهم الثياب . قال عطاء : أسلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى ، وآخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصباغين ، فأراد معلم عيسى السفر ، فقال لعيسى : عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان وقد علمتك الصبغة فاصبغها . فطبخ عيسى حُبّا{[3121]} واحدا وأدخله جميع الثياب وقال : كوني بإذن الله على ما أريد منك . فقدم الحواري والثياب كلها في الحُبِّ فلما رآها قال : قد أفسدتها ، فأخرج عيسى ثوبا أحمر وأصفر وأخضر إلى غير ذلك مما كان على كل ثوب مكتوب عليه صبغه ، فعجب الحواري ، وعلم أن ذلك من الله ودعا الناس إليه فآمنوا به ، فهم الحواريون . قتادة والضحاك : سموا بذلك لأنهم كانوا خاصة الأنبياء . يريدان لنقاء{[3122]} قلوبهم . وقيل : كانوا ملوكا ، وذلك أن الملك صنع طعاما فدعا الناس إليه فكان عيسى على قصعة فكانت لا تنقص ، فقال الملك له : من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم . قال : إني أترك ملكي هذا وأتبعك . فانطلق بمن اتبعه معه ، فهم الحواريون ، قاله ابن عون . وأصل الحَوَر في اللغة البياض ، وحورت الثياب بيضتها ، والحُوَّارَى من الطعام ما حُوّر ، أي بيض ، واحْوَرّ ابيضَّ ، والجَفْنَة المحوّرة : المبيضة بالسنام ، والحواري أيضا الناصر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكل نبي حواري وحواريي الزبير ) . والحواريات : النساء لبياضهن ، وقال :
فقل للحواريات يَبْكِينَ غيرنا *** ولا تَبْكِنَا إلا الكلابُ النوابحُ
ولما ختم سبحانه وتعالى هذه البشارة{[17325]} بالآية القاطعة القويمة الجامعة ، وكان قوله : في{[17326]} أول السورة { يصوركم في الأرحام كيف يشاء } وقوله هنا { يخلق ما يشاء } مغنياً عن ذكر حملها ، طواه وأرشد السياق حتماً إلى{[17327]} أن التقدير : فصدق الله فيما قال لها ، فحملت به من غير ذكر فولدته - على ما قال سبحانه وتعالى - وجيهاً وكلم الناس في المهد وبعده ، وعلمه{[17328]} الكتاب والحكمة وأرسله إلى بني إسرائيل ، فأتم لهم الدلائل ونفى الشبه على ما أمره به{[17329]} الذي أرسله سبحانه وتعالى وعلموا أنه{[17330]} ناسخ لا مقرر ، فتابعه قوم وخالفه آخرون فغطوا جميع الآيات وأعرضوا عن{[17331]} الهدى والبينات ، ونصبوا له الأشراك والحبائل وبغوه{[17332]} الدواهي والغوائل ، فضلوا على علم وظهر منهم الكفر البين واعوجوا عن الصراط المستقيم عطف{[17333]} عليه قوله مسلياً{[17334]} لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : { فلما أحس } قال الحرالي : من الإحساس وهو منال{[17335]} الأمر بادراً{[17336]} إلى العلم والشعور الوجداني{[17337]} - انتهى . { عيسى منهم الكفر } أي علمه علم من شاهد الشيء بالحس ورأى مكرهم على ذلك يتزايد{[17338]} وعنادهم{[17339]} يتكاثر بعد أن علم كفرهم علماً لا مرية{[17340]} فيه ، فاستغاث بالأنصار وعلم أن منجنون{[17341]} الحرب قد دار ، فعزم على إلحاقهم دار البوار { قال من أنصاري } .
ولما كان المقصود ثبات{[17342]} الأنصار معه إلى أن يتم أمره عبر عن ذلك بصلة دلت على تضمين{[17343]} هذه الكلمة كلمة توافق الصلة فقال : { إلى } أي سائرين أو واصلين معي بنصرهم إلى { الله } أي الملك الأعظم { قال الحواريون } قال الحرالي : جمع حواري وهو المستخلص نفسه في نصرة{[17344]} من تحق نصرته بما كان من إيثاره على نفسه بصفاء وإخلاص لا كدر فيه ولا شوب{[17345]} - انتهى .
وهو مصروف لأن ياءه عارضة { نحن أنصار الله } أي الذي أرسلك{[17346]} وأقدرك على ما تأتي به{[17347]} من الآيات ، فهو المحيط بكل شيء عزة وعلماً ، ثم صححوا النصرة وحققوا بأن عللوا بقولهم : { آمنا بالله } أي على ما له من صفات الكمال ، ثم أكدوا ذلك بقولهم مخاطبين لعيسى عليه الصلاة والسلام رسولهم أكمل{[17348]} الخلق إذ ذاك : { واشهد بأنا مسلمون * } أي منقادون لجميع ما تأمرنا به{[17349]} كما{[17350]} هو حق{[17351]} من آمن لتكون شهادتك علينا أجدر لثباتنا{[17352]} ولتشهد{[17353]} لنا{[17354]} بها يوم القيامة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.