الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا} (30)

قوله : " ذلك " إشارة إلى القتل ؛ لأنه أقرب مذكور ؛ قاله عطاء . وقيل : هو عائد إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس ؛ لأن النهي عنهما جاء متسقا مسرودا ، ثم ورد الوعيد حسب النهي . وقيل : هو عام على كل ما نهى عنه من القضايا ، من أول السورة إلى قوله تعالى : " ومن يفعل ذلك " . وقال الطبري : " ذلك " عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد ، وذلك قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها " [ النساء : 19 ] لأن كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد ، إلا من قوله : " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم " فإنه لا وعيد بعده إلا قوله : " ومن يفعل ذلك عدوانا " [ النساء 10 ] . والعدوان تجاوز الحد . والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وقد تقدم{[4315]} . وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط ، وذكر العدوان والظلم مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما ، وحسن ذلك في الكلام كما قال : وألفى قولها كذبا ومينا{[4316]}

وحسن العطف لاختلاف اللفظين ، يقال : بعدا وسحقا ؛ ومنه قول يعقوب : " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله " {[4317]} [ يوسف : 86 ] . فحسن ذلك لاختلاف اللفظ . و " نصليه " معناه نمسه حرها . وقد بينا معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبي سعيد الخدري في العصاة وأهل الكبائر لمن أنفذ عليه الوعيد ، فلا معنى لإعادة ذلك . وقرأ الأعمش والنخعي " نصليه " بفتح النون ، على أنه منقول من صلي نارا ، أي أصليته ، وفي الخبر " شاة مصلية " . ومن ضم النون منقول بالهمزة ، مثل طعمت وأطعمت .


[4315]:راجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص 309.
[4316]:هذا عجز بيت لعدي بن زيد، وصدره: فقددت الأديم لراهشيه
[4317]:راجع ج 9 ص 249.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا} (30)

ثم قال ترهيباً من مواقعة الضلال : { ومن يفعل ذلك } أي المنهي عنه من القتل وغيره العظيم الإبعاد عن حضرات الإله { عدواناً وظلماً } أي بغير حق ، وعطفه للوصف بالواو يدل على تناهي كل منهما ، هذا مع ما أفهمه صفة الفعلان{[21249]} من المبالغة ، فكان المراد العدو الشديد المفرط المتجاوز للحدود الناشيء عن العهد وتناهي الظلم الذي لا شائبة فيه للحق { فسوف نصليه ناراً } أي ندخله إياها بوعيد لا خلف فيه وإن طال إمهاله{[21250]} { وكان ذلك } أي الأمر العظيم الذي توعد{[21251]} به { على الله } أي الذي له الجلال والجمال { يسيراً * } أي لأنه لا ينقصه من مكله شيئاً ، ولا يمنع منه مانع .


[21249]:من ظ ومد، وفي الأصل: الفعلات ـ كذا.
[21250]:من ظ ومد، وفي الأصل: إهماله.
[21251]:من ظ ومد، وفي الأصل: يوعد.