الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا} (33)

فيه خمس مسائل :

الأولى : بين تعالى أن لكل إنسان ورثة وموالي ؛ فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث ، ولا يتمن مال غيره . وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس : " ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت{[4336]} أيمانكم " قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه ؛ للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت " ولكل جعلنا موالي " قال : نسختها " والذين عاقدت أيمانكم " . قال أبو الحسن بن بطال : وقع في جميع النسخ " ولكل جعلنا موالي " قال : نسختها " والذين عاقدت أيمانكم " . والصواب أن الآية الناسخة " ولكل جعلنا موالي " والمنسوخة " والذين عاقدت أيمانكم " ، وكذا رواه الطبري في روايته . وروي ، عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله : " والذين عاقدت أيمانكم " قوله تعالى في " الأنفال " : " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض " {[4337]} [ الأنفال : 75 ] . روي هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري ؛ وهو الذي أثبته أبو عبيد في كتاب " الناسخ والمنسوخ " له . وفيها قول آخر رواه الزهري عن سعيد بن المسيب قال : أمر الله عز وجل الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى ذوي الرحم والعصبة . وقالت طائفة : قوله تعالى : " والذين عاقدت أيمانكم " محكم وليس بمنسوخ ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك . ذكره الطبري عن ابن عباس . " والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " من النصرة والنصيحة والرفادة{[4338]} ويوصي لهم وقد ذهب الميراث ؛ وهو قول مجاهد والسدي . قلت : واختاره النحاس ، ورواه عن سعيد بن جبير ، ولا يصح النسخ ، فإن الجمع ممكن كما بينه ابن عباس فيما ذكره الطبري ، ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير . وسيأتي ميراث " ذوي الأرحام " في " الأنفال " {[4339]} إن شاء الله تعالى .

الثانية : قوله : " كل " في كلام العرب معناها الإحاطة والعموم . فإذا جاءت مفردة فلا بد أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين ، حتى أن بعضهم أجاز مررت بكل ، مثل قبل وبعد . وتقدير الحذف : ولكل أحد جعلنا موالي ، يعني ورثة . " والذين عاقدت أيمانكم " يعني بالحلف ، عن قتادة . وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول : دمي دمك ، وهدمي هدمك{[4340]} ، وثأري ثأرك ، وحربي حربك ، وسلمي سلمك ، وترثني وأرثك ، وتطلب بي وأطلب بك ، وتعقل عني وأعقل عنك ، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف ثم نسخ .

الثالثة : قوله تعالى : " موالي " أعلم أن المولى لفظ مشترك يطلق على وجوه ؛ فيسمى المعتق مولى والمعتق مولى . ويقال{[4341]} : المولى الأسفل والأعلى أيضا . ويسمى الناصر المولى ، ومنه قوله تعالى : " وأن الكافرين لا مولى لهم " {[4342]} [ محمد : 11 ] . ويسمى ابن العم مولى والجار مولى . فأما قوله تعالى : " ولكل جعلنا موالي " يريد عصبة ؛ لقوله عليه السلام : ( ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر ) . ومن العصبات المولى الأعلى لا الأسفل ، على قول أكثر العلماء ؛ لأن المفهوم في حق المعتق أنه المنعم على المعتق ، كالموجد له ، فاستحق ميراثه لهذا المعنى . وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث من الأعلى ، واحتج فيه بما روي أن رجلا أعتق عبدا له لهذا الحديث ولم يترك إلا المعتق فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق . قال الطحاوي : ولا معارض لهذا الحديث ، فوجب القول به ؛ ولأنه إذا أمكن إثبات الميراث للمعتق على تقدير أنه كان كالموجد له ، فهو شبيه بالأب ، والمولى الأسفل شبيه بالابن ، وذلك يقتضي التسوية بينهما في الميراث ، والأصل أن الاتصال يعم . وفي الخبر ( مولى القوم منهم ) . والذين خالفوا هذا ، وهم الجمهور قالوا : الميراث . يستدعي القرابة ولا قرابة ، غير أنا أثبتنا للمعتق الميراث بحكم الإنعام على المعتق ، فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة ، وذلك لا ينعكس في المولى الأسفل . وأما الابن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائما مقامه ، وليس المعتق صالحا لأن يقوم مقام معتقه ، وإنما المعتق قد أنعم عليه فقابله الشرع بأن جعله أحق بمولاه المعتق ، ولا يوجد هذا في المولى الأسفل ؛ فظهر الفرق بينهما والله أعلم .

الرابعة : قوله تعالى : " والذين عقدت أيمانكم " روى علي بن كبشة{[4343]} عن حمزة " عقَّدت " بتشديد القاف على التكثير . والمشهور عن حمزة " عقدت أيمانكم " مخففة القاف ، وهي قراءة عاصم والكسائي ، وهي قراءة بعيدة ؛ لأن المعاقدة لا تكون إلا من اثنين فصاعدا ، فبابها فاعل . قال أبو جعفر النحاس : وقراءة حمزة تجوز على غموض في العربية ، يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانكم الحلف ، وتعدى إلى مفعولين ، وتقديره : عقدت لهم أيمانكم الحلف ، ثم حذفت اللام مثل قوله تعالى : " وإذا كالوهم " {[4344]} [ المطففين : 3 ] أي كالوا لهم . وحذف المفعول الثاني ، كما يقال : كلتك أي كلت لك برا . وحذف المفعول الأول لأنه متصل في الصلة .

الخامسة : قوله تعالى : " فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا " أي قد شهد معاقدتكم إياهم ، وهو عز وجل يحب الوفاء .


[4336]:عاقدت قراءة نافع كما هو رسم الأصول، وستأتي قراءة غيره.
[4337]:راجع ج 8 ص 58.
[4338]:الرفد (بكسر الراء): العطاء والصلة.
[4339]:راجع ج 8 ص 58.
[4340]:قوله: هدمي هدمك، أي نحن شيء واحد في النصرة تغضبون لنا ونغضب لكم.
[4341]:في و و ج و ز: كمثل ويقال. وفي ط: كمثل المولى الأسفل.
[4342]:راجع ج 16 ص 234.
[4343]:كذا في ابن عطية والبحر والأصول إلا: د. فابن كيسة وهو على ابن يزيد بن كيسة. ولعله الصواب كما في طبقات القراء والتاج.
[4344]:راجع ج 19 ص 250.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا} (33)

وعطف على ذلك ما هو من جملة لعلة فقال : { ولكل } أي من القبيلتين صغاراً كانوا أو كباراً { جعلنا } بعظمتنا التي لا تضاهى { موالي } أي حكمنا بأنهم هم الأولياء ، أي الأنصار ، والأقرباء لأجل الإرث ، هم الذين يلون المال ويرثونه ، سواء كانوا عصبة خاصة وهم الوراث{[21315]} ، أو{[21316]} عصبة عامة وهم المسلمون .

ولما كان الاهتمام بتوريث الصغار أكثر قال : { مما } أي من أجل ما { ترك } أي خلفه { الوالدان } أي لكم ، ثم أتبع ذلك ما يشمل حقي الأصل والفرع فقال{[21317]} : { والأقربون } أي إليكم ، ثم عطف{[21318]} على ذلك قوله : { والذين } أي وما ترك{[21319]} الذين { عقدت{[21320]} أيمانكم } أي مما تركه{[21321]} من تدلون إليه بنسب أو سبب بالحلف{[21322]} أو الولاء أو الصهر{[21323]} ، وذكر اليمين لأن العهد يكون مع المصافحة بها ، ثم سبب عن ذلك قوله : { فآتوهم } أي الموالي وإن كانوا صغاراً أو{[21324]} إناثاً على ما بينت{[21325]} لكم في آية المواريث السابقة ، واتركوا كل ما خالف{[21326]} ذلك فقد نسخ بها { نصيبهم } أي الذي فرضناه لهم من الإرث موافراً غير منقوص ، ولا تظنوا{[21327]} أن غيرهم أولى منهم أو مساوٍ لهم ، ثم رهب من المخالفة ، وأكد الأمر وعداً ووعيداً بقوله : { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { كان على كل شيء شهيداً * } أي فهو يعلم الولي من غيره والخائن من غيره وإن اجتهد في الإخفاء ، لأنه لا يخفى عليه شيء ، لأنه لا يغيب شيء ولا يغيب عنه شيء ، فالمعنى{[21328]} : إنا{[21329]} لم نفعل سوى ما قصدتم من إعطاء المال لمن يحمي الذمار ويذب عن الحوزة ، وأنتم كنتم غير منزليه حق منازله لغيبتكم{[21330]} عن حقائق الأمور وغيبتها{[21331]} عنكم ، فإنا لم نخرج شيئاً منه لغير الموالي - أي الأنصار - إما بالقرابة أو بالمعاقدة بالولاء أو المصاهرة ، فالحاصل أنه لمن{[21332]} يحمي بالفعل ، أو بالقوة القريبة منه ، أو البعيدة الآئلة إلى القرب ، وأما التفضيل{[21333]} في الأنصباء فأمر استأثرنا{[21334]} بعلم مستحقيه ، وفي البخاري في التفسير عن ابن عباس : " موالي : ورثة والذين عاقدت أيمانكم{[21335]} كان{[21336]} المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجرين الأنصاري{[21337]} دون ذوي رحمه{[21338]} للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم ، فلما نزلت { ولكل جعلنا موالي{[21339]} } نسخت ، ثم قال : { والذي عاقدت أيمانكم{[21340]} } من النصر والرفادة{[21341]} والنصيحة{[21342]} ، وقد ذهب الميراث ، ويوصي له " .


[21315]:في مد: الوارث.
[21316]:في ظ "و".
[21317]:زيد من مد.
[21318]:زيد من ظ ومد.
[21319]:في مد: تركه.
[21320]:قرأ الكوفيون "عقدت" بغير ألف، والباقون "عاقدت" بالألف، وقرأ بالتشديد أيضا ـ راجع روح المعاني 2/83.
[21321]:في ظ ومد: ترك.
[21322]:من ظ ومد، وفي الأصل: والحلف.
[21323]:من مد، وفي الأصل وظ: الضمير.
[21324]:في ظ "و".
[21325]:من مد، وفي الأصل وظ: يثبت.
[21326]:من ظ وفي الأصل: حالف، وفي مد: جالف.
[21327]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا تظلموا.
[21328]:سقط من ظ.
[21329]:من ظ ومد، وفي الأصل: إن.
[21330]:من مد، وفي الأصل وظ: ليغتكم ـ كذا.
[21331]:في ظ: عينها.
[21332]:في ظ: لم.
[21333]:من مد، وفي الأصل وظ: التفصيل.
[21334]:من ظ ومد، وفي الأصل: استأثرنا ـ كذا.
[21335]:زيد من صحيح البخاري.
[21336]:من ظ ومد وصحيح البخاري، وفي الأصل: فإن.
[21337]:من ظ ومد وصحيح البخاري، وفي الأصل: الأنصار.
[21338]:من ظ ومد وصحيح البخاري، وفي الأصل: رحمة.
[21339]:زيد من صحيح البخاري.
[21340]:زيد من صحيح البخاري.
[21341]:في ظ ومد: الزيادة ـ كذا.
[21342]:في ظ: النصحة.