الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا} (60)

روى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال : كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة ، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة . ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم ؛ لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم ؛ فلما اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة ، فأنزل الله تعالى في ذلك : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " يعني المنافق . " وما أنزل من قبلك " يعني اليهودي . " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " إلى قوله : " ويسلموا تسليما " وقال الضحاك : دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو " الطاغوت " ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال : كان بين رجل من المنافقين يقال له بشر وبين يهودي خصومة ؛ فقال اليهودي : انطلق بنا إلى محمد ، وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف وهو الذي سماه الله " الطاغوت " أي ذو الطغيان فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي . فلما خرجا قال المنافق : لا أرضى ، انطلق بنا إلى أبي بكر ، فحكم لليهودي فلم يرض ذكره الزجاج وقال : انطلق بنا إلى عمر ، فأقبلا على عمر فقال اليهودي : إنا صرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إلى أبي بكر فلم يرض ، فقال عمر للمنافق : أكذلك هو ؟ قال : نعم . قال : رويدكما حتى أخرج إليكما . فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد{[4593]} ، وقال : هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله ، وهرب اليهودي ، ونزلت الآية ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنت الفاروق ) . ونزل جبريل وقال : إن عمر فرق بين الحق والباطل ، فسمي الفاروق . وفي ذلك نزلت الآيات كلها إلى قوله : " ويسلموا تسليما " [ النساء : 65 ] وانتصب : " ضلالا " على المعنى ، أي فيضلون ضلالا ، ومثله قوله تعالى : " والله أنبتكم من الأرض نباتا{[4594]} " [ نوح : 17 ] . وقد تقدم هذا المعنى مستوفى{[4595]} . و " صدودا " اسم للمصدر عند الخليل ، والمصدر الصد . والكوفيون يقولون : هما مصدران .


[4593]:برد (بفتح الموحدة والراء): أي مات.
[4594]:راجع ج 18 ص 305.
[4595]:راجع ج 4 ص 69.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا} (60)

ولما كان التقدير - كما أفهمه آخر الآية و{[21825]}أشعر به أولها بعد أن جمع الخلق على طاعته بالطريق الذي ذكره{[21826]} : فمن أبى ذلك فليس بمؤمن ، دل عليه بقوله{[21827]} معجباً{[21828]} مخاطباً لأكمل الخلق الذي عرفه الله المنافقين في لحن القول : { ألم تر } وأشار إلى بعدهم عن على حضرته{[21829]} بقوله : { إلى الذين } وإلى كذبهم ودوام نفاقهم بقوله : { يزعمون أنهم آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم{[21830]} { بما أنزل إليك } ودل على أن هذا الزاعم المنافق كان من أهل الكتاب قبل ادعاء الإسلام بقوله{[21831]} : { وما } أي ويزعمون أنهم آمنوا بما { أنزل من قبلك } أي من التوراة والإنجيل ، قال الأصبهاني : ولا يستعمل - أي{[21832]} الزعم - في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق ، يقال : زعم فلان - إذا شك فيه فلم يعرف كذبه أو صدقه ، والمراد أن هؤلاء قالوا قولاً هو عند من لا يعلم البواطن أهل لأن يشك فيه بدليل أنهم{[21833]} { يريدون أن يتحاكموا } أي هم وغرماؤكم { إلى الطاغوت } أي إلى{[21834]} الباطل المعرق في البطلان { وقد } أي والحال أنهم قد { أمروا } ممن له الأمر{[21835]} { أن يكفروا به } في كل ما أنزل من كتابك وما قبله ، ومتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين به كافرين بالله ، وهو معنى قوله{[21836]} : { ويريد الشيطان } بإرادتهم ذلك التحاكم { أن يضلهم } أي بالتحاكم إليه{[21837]} { ضلالاً بعيداً * } بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى{[21838]} . وهذه الآية سبب تسمية عمر رضي الله عنه بالفاروق لضربه عنق منافق لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ذكرها الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما{[21839]} .


[21825]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21826]:سقط من ظ.
[21827]:من ظ ومد، وفي الأصل: تعجبا.
[21828]:زيد في ظ ومد: السماء.
[21829]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21830]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21831]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21832]:سقط من ظ.
[21833]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21834]:سقط من ظ ومد.
[21835]:في ظ: الأوامر.
[21836]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21837]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.
[21838]:زيد بعده في الأصل: الهدى، ولم تكن الزيادة في ظ ومد فحذفناها.
[21839]:زيد ما بين الحاجزين من ظ ومد.