الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا} (66)

سبب نزولها ما روى أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر هو ويهودي ، فقال اليهودي : والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا ، وبلغت القتلى سبعين ألفا ، فقال ثابت : والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا . وقال أبو إسحاق السبيعي : لما نزلت " ولو أنا كتبنا عليهم " الآية ، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي ) . قال ابن وهب قال مالك : القائل ذلك هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ وهكذا ذكر مكي أنه أبو بكر . وذكر النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وذكر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : لو كتب علينا ذلك لبدأت بنفسي وأهل بيتي . وذكر أبو الليث السمرقندي : أن القائل منهم عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس ، قالوا : لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان أثبت في قلوبنا الرجال من الجبال الرواسي ) . و " لو " حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره ؛ فأخبر الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا رفقا بنا لئلا تظهر معصيتنا . فكم من أمر قصرنا عنه مع خفته فكيف بهذا الأمر مع ثقله ! لكن أما والله لقد ترك المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا يطلبون بها عيشة راضية . " ما فعلوه " أي القتل والخروج " إلا قليل منهم " " قليل " بدل من الواو ، والتقدير ما فعله أحد إلا قليل . وأهل الكوفة يقولون : هو على التكرير ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم . وقرأ عبدالله بن عامر وعيسى بن عمر " إلا قليلا " على الاستثناء . وكذلك هو في مصاحف أهل الشام . الباقون بالرفع ، والرفع أجود عند جميع النحويين . وقيل : انتصب على إضمار فعل ، تقديره إلا أن يكون قليلا منهم . وإنما صار الرفع أجود لأن اللفظ أولى من المعنى ، وهو أيضا يشتمل على المعنى . وكان من القليل أبو بكر وعمر وثابت بن قيس كما ذكرنا . وزاد الحسن ومقاتل وعمار وابن مسعود وقد ذكرناهما . " ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم " أي في الدنيا والآخرة . " وأشد تثبيتا " أي على الحق .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا} (66)

ولما كان التقدير : فقد كتبنا عليهم طاعتك والتسيم لك في هذه الحنيفية السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها ، عطف عليه قوله : { ولو أنا كتبنا عليهم } أي هذا المخاصم للزبير رضي الله تعالى عنه وأشباه هذا المخاصم ممن ضعف إيمانه كتابة{[21870]} مفروضة { إن اقتلوا أنفسكم } أي كما كان في التوراة في كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة{[21871]} ، وكما فعل المهاجرون بتعريض أنفسهم لذلك ثلاث عشرة سنة ، هم{[21872]} فيها عند أعداء الله مضغة لحم بين يدي نسور يتخاطفونها { أو اخرجوا } كما فعل المهاجرون - {[21873]}رضي الله تعالى عنهم{[21874]} - الذين الزبير من رؤوسهم { من دياركم } أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم لأرواحكم - توبة لربكم { ما فعلوه } أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم ، ولو كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا ، فاستحقوا القتل{[21875]} .

ولما كان كل كدر لا يخلو عن خلاصه ، قال : { إلا قليل منهم } أي وهم{[21876]} العالمون بأن الله سبحانه وتعالى خير{[21877]} لهم من أنفسهم ، وأن حياتهم إنما هي في طاعته{[21878]} ؛ روي أن من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس{[21879]} رضي الله تعالى عنه ، قال : أما والله ! إن الله ليعلم مني الصدق ، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلها ! وكذا قال ابن مسعود وعمار ابن ياسر رضي الله عنهما ، وروي عن{[21880]} عمر رضي الله عنه أنه قال : والله لو أمرنا ربنا لفعلنا ! والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك . ولا ريب في أن التقدير : ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا{[21881]} بهذه الحنيفية السمحة .

ولما كان مبنى السورة على الائتلاف وكان السياق للاستعطاف{[21882]} ، قال مرغباً : { ولو أنهم } أي هؤلاء المنافقين { فعلوا ما يوعظون } أي يجدد لهم الوعظ في كل حين { به لكان } أي فعلهم{[21883]} ذلك { خيراً لهم } أي مما اختاروه لأنفسهم { وأشد تثبيتاً * } أي مما ثبتوا{[21884]} به أنفسهم بالأيمان الحانثة{[21885]}


[21870]:في ظ: باية ـ كذا.
[21871]:في ظ: حقيقية.
[21872]:زيد من ظ ومد.
[21873]:سقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[21874]:سقط ما بين الرقمين من ظ ومد.
[21875]:زيد من ظ ومد.
[21876]:في ظ: العاملون بالله تعالى خيرا ـ كذا.
[21877]:في ظ: العاملون بالله تعالى خيرا ـ كذا.
[21878]:زيدت الواو بعده في ظ.
[21879]:من ظ ومد و تهذيب التهذيب، ووقع في الأصل: شهاب ـ مصحفا.
[21880]:سقط من ظ.
[21881]:في ظ: تستمسكوا.
[21882]:سقط من ظ.
[21883]:زيد بعده في ظ: يجدد.
[21884]:في ظ: أثبتوا.
[21885]:من ظ ومد، وفي الأصل: الجاثية.