الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (3)

فيه مسألتان :

الأولى - قوله تعالى : " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم " يعني الكتاب والسنة . قال الله تعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا{[6995]} " [ الحشر : 7 ] . وقالت فرقة : هذا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته . والظاهر أنه أمر لجميع الناس دونه . أي اتبعوا ملة الإسلام والقرآن ، وأحلوا حلاله وحرموا حرامه ، وامتثلوا أمره ، واجتنبوا نهيه . ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص .

الثانية - قوله تعالى : " ولا تتبعوا من دونه أولياء " " من دونه " من غيره . والهاء تعود على الرب سبحانه ، والمعنى : لا تعبدوا معه غيره ، ولا تتخذوا من عدل عن دين الله وليا . وكل من رضي مذهبا فأهل ذلك المذهب أولياؤه . وروي عن مالك بن دينار أنه قرأ " ولا تبتغوا من دونه أولياء " أي ولا تطلبوا . ولم ينصرف " أولياء " لأن فيه ألف التأنيث . وقيل : تعود على " ما " من قوله : " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم " . " قليلا ما تتذكرون " " ما " زائدة . وقيل : تكون مع الفعل مصدرا .


[6995]:راجع ج 18 ص 17.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ} (3)

ولما تقدم سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم في أمر الإنذار والإذكار بالكتاب تقدم إلى اتباعه فأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع أهل الضلال وما يوحي إليهم أولياؤهم من زخارفهم بعد أن أخبر بكونه ذكرى أنه سبب لعلو شأنهم وعز سلطانهم ، فقال ملتفتاً إليهم مقبلاً بعز جلاله عليهم { اتبعوا } أي احملوا أنفسكم حملاً عظيماً بجد ونشاط على اتباع { ما أنزل إليكم } أي قد{[31930]} خصصتم به دون غيركم فاشكروا هذه النعمة { من ربكم } أي الذي لم يزل محسناً إليكم { ولاتتبعوا } ولعله{[31931]} عبر بالافتعال إيماء إلى أن ما كان دون علاج - بل هفوة وبنوع غفلة - في محل العفو { من دونه } أي دون ربكم { أولياء } أي من الذين نهيناكم عنهم في الأنعام وبينا ضررهم لكم من شياطين الإنس والجن وعدم إغنائهم وأن الأمر كله لربكم .

ولما كانوا قد خالفوا في اتباعهم صريح العقل وسليم الطبع ، وعندهم أمثلة ذلك لو تذكروا ، قال منبهاً لهم على تذكر ما يعرفون من تصرفاتهم : { قليلاً } وأكد التقليل ب " ما{[31932]} " النافي{[31933]} وبإدغام تاء{[31934]} التفعيل فقال : { ما تذكرون* } أي تعالجون أنفسكم على ذكر ما هو مركوز في فطركم الأولى فإنكم مقرون بأن ربكم رب كل شيء ، فكل من تدعون من دونه مربوب ، وأنتم لا تجدون في عقولكم ولا طباعكم ولا استعمالاتكم ما يدل بنوع دلالة على أن مربوباً يكون شريكاً لربه .


[31930]:- سقط من ظ.
[31931]:- من ظ، وفي الأصل: لقد.
[31932]:- زيد من ظ.
[31933]:- في الأصل: بالنافي، وسقط من ظ.
[31934]:- من ظ، وفي الأصل: التاء.