الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} (11)

قوله تعالى : " ولقد خلقناكم ثم صورناكم " لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه . وقد تقدم معنى الخلق{[7013]} في غير موضع . " ثم صورناكم " أي خلقناكم نطفا ثم صورناكم ، ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم . وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما : المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره . وقال الأخفش : " ثم " بمعنى الواو . وقيل : المعنى " ولقد خلقناكم " يعني آدم عليه السلام ، ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، ثم صورناكم ، على التقديم والتأخير . وقيل : " ولقد خلقناكم " يعني آدم ، ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر . " ثم صورناكم " راجع إليه أيضا . كما يقال : نحن قتلناكم ، أي قتلنا سيدكم . " ثم قلنا لملائكة اسجدوا لآدم " وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير ، عن ابن عباس أيضا . وقيل : المعنى ولقد خلقناكم ، يريد آدم وحواء ، فآدم من التراب وحواء من ضلع من أضلاعه ، ثم وقع التصوير بعد ذلك . فالمعنى : ولقد خلقنا أبويكم ثم صورناهما . قاله الحسن . وقيل : المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق . هذا قول مجاهد ، رواه عنه ابن جريج وابن أبي نجيح . قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال . يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم ، ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق ، ثم كان السجود بعد . ويقوي هذا " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم{[7014]} " [ الأعراف : 172 ] . والحديث ( أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق ) . وقيل : " ثم " للإخبار ، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم ، ثم صورناكم أي في الأرحام . قال النحاس : هذا صحيح عن ابن عباس .

قلت : كل هذه الأقوال محتمل ، والصحيح منها ما يعضده التنزيل . قال الله تعالى : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين{[7015]} " [ المؤمنون : 12 ] يعني آدم . وقال : " وخلق منها زوجها{[7016]} " [ النساء : 1 ] . ثم قال : " جعلناه " أي جعلنا نسله وذريته " نطفة في قرار مكين " [ المؤمنون : 13 ] الآية{[7017]} . فآدم خلق من طين ثم صور وأكرم بالسجود ، وذريته صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء . وقد تقدم في أول سورة " الأنعام " {[7018]} أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتربة . فتأمله . وقال هنا : " خلقناكم ثم صورناكم " وقال في آخر الحشر : " هو الله الخالق البارئ المصور{[7019]} " [ الحشر : 24 ] . فذكر التصوير بعد البرء . وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى . وقيل : معنى " ولقد خلقناكم " أي خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح آخرا .

قوله تعالى : " إلا إبليس لم يكن من الساجدين " استثناء من غير الجنس . وقيل : من الجنس . وقد اختلف العلماء : هل كان من الملائكة أم لا ؟ كما سبق بيانه في " البقرة{[7020]} " .


[7013]:راجع ج 1 ص 226، 251
[7014]:راجع ص 313 من هذا الجزء.
[7015]:راجع ج 12 ص 108.
[7016]:راجع ج 5 ص 1
[7017]:راجع ج 12 ص 108.
[7018]:راجع ج 6 ص 388
[7019]:راجع ج 18 ص 48.
[7020]:راجع ج 1 ص 294
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} (11)

ولما ذكر سبحانه ما منحهم به من التمكين ، ذكّرهم ما كانوا عليه قبل هذه المكنة من العدم تذكيراً بالنعم{[31980]} في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره ، وعلى ما خص به أباهم آدم عليه السلام{[31981]} من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم وأمر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من عاداه وطرده عن محل كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذوناً له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة ، فلما خالف الأمر أزاله عنه وأخرجه منه ؛ وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدرار النعمة وإحلال النقمة فقال : { ولقد خلقناكم } أي بما لنا من صفات العظمة { ثم صورناكم } أي قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء من المادة بمقداره المعين بتخمير طينة آدم عليه السلام على حالة تقبل ذلك كما يهيأ{[31982]} التراب بتخميره بإنزال المطر لأن يكون {[31983]}منه شجرة ، وقد تكون تلك الشجرة مهيأة لقبول صورة{[31984]} الثمرة{[31985]} وقد لا تكون كما قال تعالى :{ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً{[31986]} آخر }[ المؤمنون : 12-14 ] وقال النبي{[31987]} صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح " وعنه أيضاً رضي الله عنه عند مسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال : يا رب ! أذكر أم أنثى ؟ فيقضي ربك ما شاء{[31988]} ويكتب الملك " الحديث . فظاهر هذا الحديث مخالف للفظ الذي قبله وللآية ، فيحمل على أن معنى صورها : هيأها في مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل ، وسهل أولها بالتخمير{[31989]} على هيئة مخصوصة بخلاف ما قبل ذلك ، فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة عن قبول الصورة ، ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في إخراجها ، ومعنى " خلق " : قدر{[31990]} أي جعل لكل شيء من ذلك حداً لا يتجاوزه في الجملة ، والدليل على هذا المجاز شكه في كونها ذكراً أو أنثى ، ولو كان ذلك على ظاهره لما حصل شك في كونها ذكراً{[31991]} أو أنثى إذ آلة الذكر والأنثى من جملة{[31992]} الصورة ، وبهذا تلتئم هذه الآية مع قوله تعالى{[31993]}

{ إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين }[ ص : 71 ] فهذا خلق بالفعل ، والذي في هذه السورة بإيداعه القوة المقربة منه ، والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافاً إلى المؤالفة وتفظيعاً{[31994]} بحال المخالفة ، أي خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا عليهم بنعمة التمكين بعد أن{[31995]} أنشأناهم على الصورة المذكورة بعد أن كانوا عدماً وأسجدنا ملائكتنا لأبيهم وطردنا{[31996]} من تكبر عليه طرداً لا طرد مثله ، وأبعدناه عن محل قدسنا بعداً لا قرب معه ، وأسكنا أباهم الجنة دار رحمتنا وقربنا ، فقال تعال مترجماً عن ذلك : { ثم قلنا } أي على ما لنا من الاختصاص بالعظمة { للملائكة } أي الموجودين في ذلك الوقت من أهل السماوات والأرض كلهم ، بما دلت عليه " ال " سواء قلنا : إنها للاستغراق أو الجنس { اسجدوا لآدم } أي بعد كونه رجلاً قائماً سوياً ذا روح كما هو معروف من التسمية ؛ ثم سبب عن هذا الأمر قوله : { فسجدوا } أي كلهم بما دل عليه الاستثناء في قوله : { إلا إبليس } ولما كان معنى ذلك لإخراجه ممن سجد أنه لم يسجد ، صرح به فقال : { لم يكن من الساجدين* } أي لآدم .

* { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } * { قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ } * { قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } * { قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ } * { قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ }


[31980]:- من ظ، وفي الأصل: بالنعمة.
[31981]:- زيد من ظ.
[31982]:- من ظ، وفي الأصل: تهيأ.
[31983]:- تكرر ما بين الرقمين في الأصل.
[31984]:- تكرر ما بين الرقمين في الأصل.
[31985]:- من ظ، وفي الأصل: القمر-كذا.
[31986]:- سورة 23 آية 12- 14.
[31987]:- سقط من ظ.
[31988]:- من ظ وصحيح مسلم- كتاب القدرة، وفي الأصل: يشاء.
[31989]:- من ظ، وفي الأصل: بالتخميرة.
[31990]:- من ظ، وفي الأصل: فقدر.
[31991]:- في ظ: ذكر.
[31992]:- في ظ: جهة.
[31993]:- زيدت الواو بعده في الأصل و ظ، ولم تكن في القرآن الكريم سورة 38 آية 71 فحذفناها.
[31994]:- من ظ، وفي الأصل: تغليظا.
[31995]:- زيد من ظ.
[31996]:- في ظ: تركنا.